• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

تداعيات ليلة الانقلاب الفاشل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 02 أغسطس 2016

منتصف يوليو، أمسى الأتراك على محاولة انقلاب عسكري، وأصبحوا على فشلها.. عاد الرئيس أردوغان إلى أنقرة، وتوالت أنباء استسلام الانقلابيين واستعادة القيادة التركية سيطرتها على الجيش والبلاد. كانت ليلة طويلة وصعبة، بالغة السخونة وسريعة المتغيرات، تأرجحت فيها البلاد من حافة نجاح الانقلاب العسكري وإزاحة مؤسسات الدولة وقياداتها المنتخبة، إلى مشهد سيطرة الرئيس والحكومة على الأوضاع، لكن المؤكد أن ما جرى في تركيا كان أكبر من أن ينتهي في ليلة واحدة.

كان التحرك الحاسم للمجموعة الانقلابية سريعاً، حيث أغلقت الجسور والطرق الرئيسة في البلاد، وحاصرت مقر قيادة الأركان، وقصفت البرلمان، واستهدفت مقرات لجهاز الاستخبارات العامة، وأوقفت العمل في المطار، واحتلت مبنى التلفزيون الرسمي، وأذاعت البيان رقم واحد منه. ولكن يظهر أن رد فعل الحكومة كان جاهزاً. فسرعان ما ظهر أردوغان في اتصال هاتفي على قناة تركية خاصة، وبدا رابط الجأش عالي الثقة بالنفس، وخاطب الشعب طالباً، منهم التوجه للميادين ولاستقباله في المطار، ثم تتابعت الخطوات الحكومية عبر أجهزتها الأمنية، ومن خلال ثبات الشعب في الميادين، وحول المؤسسات المهمة، وانتهى المشهد باستسلام المجموعات المسلحة في الشوارع. وتبعت ذلك تداعيات متسارعة، أدت إلى تسريح الآلاف من موظفي الدولة والأجهزة العسكرية والأمنية، واعتقال زهاء 180 ألف مواطن مدني وعسكري، ومن القضاة والمدعين العامين، وإلغاء 50 ألف جواز سفر تركي حتى الآن، كما تم تطهير الجيش من أتباع غولن، حسب قول الحكومة التركية.

من الصعوبة بمكان أن يمر هذا الحدث في تاريخ تركيا الحديث دون تداعيات مهمة ومفصلية في مستقبل المشهد الداخلي التركي، ومسيرة «العدالة والتنمية» بشكل عام. فمن الممكن أن يكون المراد من فشل هذه المحاولة عاملاً حاسماً في إسدال الستار نهائياً على أي انقلاب قادم، بعدما فشلت في ذلك كل الأضرار التي تسببت بها الانقلابات الأربعة السابقة، ومحاكمات القادة والضباط، وإنجازات تركيا مؤخراً. ذلك أن صدى الفشل والضغوط المعنوية الشديدة على المؤسسة العسكرية، إضافة إلى الإجراءات المتخذة في توقيف المشتركين في الانقلاب، سيكون لها أثر مباشر على ذلك. من ناحية أخرى، سيكون عنوان الأيام والأسابيع القادمة هو الإقصاء التام من المؤسسات العسكرية والقضائية والإعلامية لكل من يفكر بمناهضة أردوغان تحت ذريعة مكافحة التنظيم الموازي المتهم الأول بالتخطيط للانقلاب، وهو ما بدأ فعلاً منذ الساعات الأولى لفشل الانقلاب.

وفق هذه المعطيات، فإن مشهد ليلة 16 يوليو كانت مجرد رأس جبل الجليد فيما يتعلق بالمحاولة الانقلابية، حيث ظهرت قيادات عسكرية (أهمها قائد الفيلق الثالث) على قنوات التلفزة التركية في تلك الليلة، ودعت الجنود «للعودة إلى ثكناتهم»، لكن أياً منها لم يشارك ميدانياً في مواجهة الفرق العسكرية الانقلابية، ثم اتضح لاحقاً أن شبهات تدور حول ضلوعهم في الانقلاب. كما استطاعت الترتيبات اللاحقة كسر حدة الانقلاب وأظهرت أن الترتيب له يتجاوز قدرات «الكيان الموازي» الذي يقصد به القيادة المتنفذة في جماعة الخدمة بقيادة فتح الله غولن، بحيث شملت التوقيفات والاعتقالات على ذمة التحقيق قيادات وازنة في الجيش التركي مثل قادة الجيوش الثاني والثالث والرابع والقائد السابق للقوات الجوية وقيادات في مؤسسة الدرك/الجاندرما، إضافة إلى نحو 3000 من القضاة والمدعين العامين وأعضاء في المحكمة الدستورية العليا، وكل هذا يحتم علينا طرح السؤال التالي: مَن وراء الانقلاب؟

نصّار وديع نصّار

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا