• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

قدمت فن التشخيص بأسلوبية داخل مسرح

«الجميلات».. تجسد نضال الجزائريات ضد الاستعمار الفرنسي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 13 يناير 2014

محمود عبدالله

«الجميلات» هو عنوان المسرحية التي أحدثت ضجّة فنية كبيرة، منذ تقديمها على خشبة المسرح الجهوي «عزّ الدّين مجوبي» بعنابة الجزائرية، وعلى خشبة مسرح المركز الثقافي الملكي بالعاصمة الأردنية عمّان، ضمن مهرجان المسرح الأردني العشرين، الذي اختتم أعماله في نوفمبر من العام الماضي، للمخرجة «سكينة ميكو» المعروفة فنياً بـ«صونيا»، نص «نجاة طيبوني»، وتمثيل كل من ليندا سلام، ليديا لعريني، آمال حنيفي، هواري رجاء، منى بن سلطان، صالح غجاتي، احتفالاً بخمسينية الاستقلال، وهي أحدث مسرحية في سلسلة «مسرحيات الاحتجاج»، وركزت أحداثها على نضال جميلات الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي. وتابعناها أمس الأول على خشبة مسرح قصر الثقافة بالشارقة، ضمن منافسات النسخة السادسة من مهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح في إمارة الشارقة.

المسرحية

تبدأ أحداث المسرحية التي تحمل موضوعاً جزائرياً خالصاً، بزنزانة في سجن (برباروس– سركاجي) في أواخر عام 1961، في قلب العاصمة، حيث تقبع خمس مجاهدات جزائريات (رقية مصمودي، فضيلة سعدان، بنت شيخ الحسن، زليخة شايب يامينا، لالا فاطمة نسومر) بانتظار تنفيذ حكم الإعدام فيهن، وحيث يقال: لا يمكنك في الحياة إلا أن تحلّ المشكلة التي أمامك، كان عليهن قتل لحظات الفراغ والانتظار باسترجاع شريط حياتهن، عن طريق «التّشخيص» بأسلوبية المسرح داخل مسرح التي ابتكرها الإيطالي «لويجي بيراندللو»، فرحن يسترجعن آلامهن، بطولاتهن، أحلامهن في الحرية والاستقلال، وقد وفقت الكاتبة في التقاط مشاهد ومواقف وطنية حماسية جديرة بتشكيل تلك اللحظات الدرامية، القادرة على التعبير عن رؤية جديدة في موضوع وطني قديم، يبحث في تكريم الحرية ومجاهدات الجزائر، والتضحية من أجل الوطن، تحقيقاً للمعادل الموضوعي (الخلاص بالموت)، وهو الاصطلاح الذي أشاعه في الأدب والشعر كل من بدر شاكر السيّاب، وصلاح عبدالصبور.

ثلاثية المعمار المسرحي

أقامت الكاتبة نصّها على ثلاثة مستويات من التعبير: حوار الشخصيات باللهجة المحكية، والمونولوجات المنعزلة لكل ممثلة للتعبير عن حالتها ومشاعرها، وأخيرا الديالوج، الذي جاء حاراً ساخناً بحجم القضية التي تناقشها المسرحية، مع استثمار لبعض المقاطع الشعرية، وتناغمت خطة مخرجة العرض مع هذه الثلاثية، بتقاطعات، تمثلت في حركة حارس السجن في خلفية الديكور، وحركة الممثلات المنسابة والتشكيلات الهندسية بالجسد، وحركة القطع الديكورية، والصوت الخارجي واستخدامات مقاطع من موتيفات شعبية وأغنيات وطنية للراحلة وردة الجزائرية والمؤدية الشابة (زهوة)، لإزكاء الحالة الوطنية، حتى لحظة التحرير التي تلعب فيها الإضاءة دوراً استثنائياً، في مشهد احتفالي، حينما تفتح أبواب السجن، وتظهر المجاهدات بملابس بيضاء، منطلقات مثل الحمامات، على وقع موتيفة شعبية جزائرية من أداء ولحن الجزائري الحاج محمد العنقا– أحد اهم رواد الغناء الشعبي في الجزائر: «الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا، كسر سيف الظلم» فيما تصدح بطلة العرض ليديا لعريني ومعها بقية الممثلات بهذه الأبيات الشعرية، التي تكرّم الحرية والمجاهدة الجزائرية: «نطلع فوق رأس الجبل/ ونفتح يدي للسما/ ونعيط بقوة جهدي/ صباح الخير يا بلادي الحرة/صباح الخير يا جميلة الجميلات/إنحبك حتى تذبل الروح ويفنى الوجود».

ربما يكون أجمل ما في هذا العرض هو تماسكه الشديد، وانسيابية إيقاعه على الخشبة في إطار مونولوج مسرحي طويل بلا تقطيعات، يكشف عن قيمة المسرح حينما يتقاطع مع الثورة، وتأكيد الكاتبة والمخرجة على هوية (الشخصية الوطنية)، وهذه قيمة فنية إنفرد بها شكسبير في واحدة من أروع كلاسيكياته (روميو وجولييت– كتبت في الفترة ما بين 1593 و1596) وقد خيّل إلينا على أنها مجرد قصة حب مفعمة بالتضحية القاسية، لكنها كتبت في الواقع لإنهاء حرب العائلات، من أجل رفعة الوطن في إطار معادل موضوعي يفهم معنى التضحية بالفرد لأجل المجموع، ولعل هذا ما أكدته صونيا ببساطة حينما كشفت لنا حقيقة مأساة الجزائر من خلال حرب الإبادة التي شنت على شعبها، من خلال أداء هادئ، وشغل مسرحي، يقوم على دمج لواحق العرض (الإضاءة، الديكور، الموسيقى) في دواخل الممثلات، بعد أن أمعنت في إذكاء الجانب الانساني لديهن، وهو ما رفع من قيمة العرض فنياً وجمالياً وأزاح الخطاب السياسي المباشر بعيداً، ولهذا جاء العرض متميزاً بإخراجه ضمن تيار الواقعية الجديدة، وبقوة الأداء النسوي، حيث تمكنت الممثلات بمهارة عالية من نقل أجواء التعذيب من وراء القضبان، خاصة أنهن تحدين حارس السجن الفرنسي، من خلال حديثهن بصوت مرتفع عن مناضلات الجزائر، وكان من ضمنهن بعض الفرنسيات اللواتي تضامن مع القضية الجزائرية، وتميزت في الأداء المتعدد النغمات والتلوينات الصوتية الممثلة ليديا لعريني، ومعها ليندا سلام حيث شكلا معاً ثنائية تمثيل واعية، وأداءً منضبطاً، ومتناغماً مع الحالة الوطنية ومواطن السرد والحكي في البناء العام.

لا نقول إن الجميلات هي أروع مسرحية تحدثت عن قضية التحرير والاستقلال، فقد سبقتها مسرحيات عظيمة مثل: الخالدون للمخرجة سعاد سبكي، والجثة المطوّقة (كاتب ياسين) الباب الأخير (أشرف مصطفى) وحنين إلى الجبل (الخرفي صالح) وأبناء القضية (مصطفى بركات)، ولكننا نقول إنها أحسن مسرحية قامت بتكريم المجاهدة الجزائرية وفكرة الحرية من خلال خطاب مسرحي هادئ، وإهتمام دقيق بجزئيات الأحداث والحالة النفسية للشخصية، وفكر يستمد قوته من عصريته، مستعيناً بكل مفردات تكنيك المسرح المعاصر من حركة وأداء وموسيقى وغناء (الصوت سمية مرداسي، الإضاءة أحمد ميوش، السينوغرافيا حبّال البوخاري، الكورغرلفيا توفيق قارّة)، وفكاهة في بعض المواقف وتلميحات إلى ما يمكن أن يحدث بعد الاستقلال، إمعاناً في تأكيد الحالة الانسانية، بمقابل فكرة البطولة.

لقد كنّا في الواقع أمام سيمفونية مسرحية تحمل إسقاطاتها السياسية ببراعة، وكنا أيضا أمام صيحة جديدة في المسرح الجزائري النسوي، ولهذا ولأشياء كثيرة انتزعت جميلات الجزائر تصفيق الجمهور، فهل تنتزع جائزة المهرجان الكبرى؟

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا