• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

قدمت تنويعات فرجوية وشعبية للهموم اليومية العربية

«ع الخشب».. خروج إلى العتمة للمس أطيافها

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 13 يناير 2014

إبراهيم الملا

على خشبة معهد الشارقة المسرحي، قدمت فرقة وزارة الثقافة الأردنية مساء أمس الأول، عرضاً بعنوان «ع الخشب» المقتبس من مسرحية «العميان» للكاتب البلجيكي موريس مترلينك، وهو من إخراج الفنان الأردني زيد خليل مصطفى الذي عالج النص الأصلي، من خلال تنويعات فرجوية وشعبية لصيقة بالهموم اليومية التي يعيشها المواطن العربي.

شارك في العمل نخبة من الممثلين الأردنيين الذين تمكنوا من خلال قدراتهم الأدائية وأصواتهم الشجية، أن يخلقوا مساحة تفاعلية متصاعدة مع مسار العرض ومع جمهور الصالة أيضا، وهؤلاء الممثلون هم: عبدالكامل الخلايلة في دور الأب، وبيسان كمال في دور الجدة، ومخرج وكاتب العمل: زيد خليل مصطفى في دور الابن، بالإضافة إلى الممثلة نهى سمارة في دور الابنة.

العرض

وتميز العرض بأفقه التجريبي الذي يلامس الهذيان المروّض، واحتشد بزخم من الدلالات والرموز التي يمكن إسقاطها على الانعطافات الحادة التي عصفت مؤخرا بعدد من البلدان العربية، وما نتج عنها من إشكالات سياسية واقتصادية واجتماعية بدت مسيطرة على المعالجة النصية، وما قدمته من صيغ واضحة وأخرى متوارية في النسيج العام للعرض والمكون من أربع شخصيات رئيسية، هي الأب والجدة والابن والابنة، مع مشاركة كورال غنائي مثّل دور العميان في عمق الخشبة، ولجأ المخرج لهذا الخيار السينوجرافي كي يوفّر مساحة مناسبة للإضاءة وحركة الديكور ودخول الممثلين الرئيسيين، وخروجهم وسط هالات شبحية واستدعاءات لأرواح الغائبين، وخصوصا روح الأم التي ظلت مهيمنة على تفاصيل العرض، وظلّت توسّع مسارات المونولوج الداخلي للشخصيات كي تعبر عن انكساراتها وحنينها لزمن ولى، وخوفها من زمن قادم مجهول المعالم ومحتشد بالتناقضات، وعمد المخرج لاستحضار الثيمات المركزية في النص مثل الخوف والموت والفقدان والعماء الداخلي الافتراضي والآخر الفيزيائي، مع إضفاء الطابع الغنائي المتراوح بين ضفتي الرومانسية والألم الوجودي المسيطر على فضاء الحكاية.

صدع عاطفي

وكان للصدع العاطفي الذي تسبب به غياب الأم دور في خلق هذه المتاهة العاطفية، أو الاغتراب الروحي بين الشخصيات، فيما يشبه الانكشاف والخروج إلى العتمة، وتلمس تفاصيلها وأطيافها السميكة، والتي بدت في لحظات كثيرة من العرض، وكأنها تضيء ببوح خاص لا يمكن تسريبه نحو الضوء، لاعتبارات كثيرة يتسيدها الهاجس الشخصي والعام لمتواليات القمع والكبت والذعر، وهي المتواليات التي سوف تقود شخوص العمل إلى الاستئناس بالظلمة والتعايش معها والتلذذ بمعانقتها أيضا.

تتساءل إحدى الشخصيات، وهي في غمرة انهيارها الذاتي: «أريد أن أرى»، فتجيبها الشخصية المقابلة: «عليك إذن أن تغمض عينيك»!! ويتجلى في هذا الحوار المكثف الذي تكرر أكثر من مرة في حوارات العرض، الرغبة في المكاشفة الجوانية التي هي أصدق وأبلغ تعبيرا عن واقع الحال وسط فصول التبدلات العربية، وما نتج عنها عن كشف للأقنعة، وترجمة الدوافع غير النقية التي أعمت الجماهير وظللتها ودفعتها طوعا وكرها إلى حفلة الدم والدموع والدمار.

وينتهي العرض على مشهد للأكفان التي تتماهى فيها الشخصيات، لتصعد إلى الفضاء العالي في الخشبة، تاركة ميراثا من الرمال والأجساد المحطمة، وكأن القبور هي وحدها من يفصح عن ضراوة الصمت، وعن وحشة جاثمة وسط كوابيس الليل العربي الطويل.

وتعتبر مشاركة المخرج الأردني زيد مصطفى هي الثانية له في مهرجان المسرح العربي بعد مشاركة مسرحيته: «الإشارات والتحولات» المأخوذة عن نص المسرحي السوري سعد الله ونوس: «طقوس التحولات والإشارات»، وفي المؤتمر الخاص بعرضه الجديد أشار المخرج إلى أنه استفاد من الأشعار الصوفية والتجارب الشخصية والمعارف الإنسانية، ولم يعتمد بشكل حصري من النص المقتبس، وهو ما جعل نصه، وبالتالي عمله يتباين مع نص (العميان) بقدر ما يتقاطع معه، وأشار إلى أنه أراد من خلال عمله الجديد أن يقدم مقترحات فكرية وملامح جمالية، تذهب إلى أن الحقيقة موجودة في العالم الآخر، وفي البرزخ المحتمل بين الحياة والموت، والأرض والسماء، وبين الشك واليقين، وبين العماء والإبصار، وقال المخرج، إنه اعتمد على مفردة العماء كحل إخراجي ضمن فضاء العرض للتعبير عن الخوف والجهل والقعود والنكوص عندما تتوه الرؤية وتغيب الرؤيا.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا