• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

لعقود طويلة، تبنى الحزب «الجمهوري» الوطنية الأميركية المفتوحة، المتطلعة للمستقبل، ولكننا عندما نرشح رجلاً من عينة ترامب فإننا نتخلى بالتأكيد عن جزء من ذلك

«ترامب» وتبديد القيم الأميركية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 01 أغسطس 2016

ديفيد بروكس*

يمكن القول إن ترامب، قد تخلى عن قيم أميركية وهي الحب، والإحسان، والتواضع، والخير، والإيمان، والاعتدال، والرفق. تخلى ترامب عن كود التواضع الأساسي، الذي أضفى دوما نبلاً على الطبقة الأميركية الوسطى وهو: لا تتباهي، ولا تدع حياتك تُعرّف من خلال مظاهر الترف والرفاهية. كما ترك الساحة خالية لـ«الديمقراطيين» كي يستولوا على قيم الطبقة الوسطى، من خلال مشهد سريع في شريط فيديو لـ«تيم كين»، يحكي فيه عن الشخص الذي يذهب لنفس الكنيسة التي تزوج فيها، والذي تعلم النجارة، أثناء مشاركته في بعثة مسيحية في هندوراس، وعاش في نفس المنزل لمدة 24 سنة متصلة.

كما ترك «ترامب» الساحة خالية لأوباما، كي يذكرنا أن آباءنا المؤسسين، كانوا يريدون من الأميركيين أن يكونوا مواطنين نشيطين مشاركين في الجهد العام، لا حكومة تدار بوساطة أشخاص مهووسين بذواتهم، ومنقذين مدعين، يريدون أن يتم كل شيء حسب هواهم. كما تخلى ترامب أيضاً عن التفاؤل العميق والشامل، الذي طالما شحن الأمة الأميركية بالطاقة الإيجابية.

إلى ذلك ترك «ترامب» الساحة خالية، لميشيل أوباما كي تعزف النغمة الأساسية للأمل، التي تتخلل القصة الأميركية التي تقول إن تاريخنا الوطني هو متوالية من العدالة، وإن الشر قد يرتفع ليوم، ولكنه يحتوي على بذور فنائه، وإننا على الرغم من نوائب الدهر التي تصبغ أيامنا بالسواد، نعيش في كون منظم محكوم بقانون الحب. لعقود طويلة، تبنى الحزب «الجمهوري» الوطنية الأميركية المفتوحة، المتطلعة للمستقبل، ولكننا عندما نرشح رجلاً من عينة ترامب فإننا نتخلى بالتأكيد عن جزء من ذلك. كان «الديمقراطيون» في غالب الأحيان، يبدون متأرجحين وجدانياً بشأن موقفهم من ذلك الصوت الوطني المتحمس، ولكنهم خلال هذا الأسبوع بدوا سعداء بقبول هدية «ترامب» غير المقصودة، وهو ما تبدى بوضوح من خلال ذلك العدد الكبير بدرجة غير معتادة من الخطب العظيمة، في مؤتمرهم الحزبي.

استخدم هؤلاء المتحدثون كل ما لديهم من فصاحة، في صد هذا الديماجوجي (ترامب)، وقاموا فعلياً بعزله عن أميركا، بل بفصله عن التيار المحافظ، واستفادوا استفادة كاملة من اللعب على كل الأوتار الحساسة والعميقة للوطنية، التي تمس وجدان الأميركيين.

و«ترامب» هو الذي أتاح الفرصة لـ«الديمقراطيين» لإخفاء مشكلاتهم العميقة، وهي أن عهد الإدارة «الديمقراطية» قد شهد فوضى عالمية متزايدة، وعنفاً متنامياً وغضباً متصاعداً. ولكن «الديمقراطيين»، والحق يُقال، يبدون منظمين ومرتبين، بالمقارنة بفوضى المرشح الجمهوري على الجانب الآخر. فضلاً عن ذلك فإن الهامش المتطرف الذي يهدد باحتلال متن الحزب «الديمقراطي»، يبدو أقل تهديداً، من ذلك الهامش الذي احتل متن الحزب «الجمهوري» بالفعل. مؤتمر الحزب «الديمقراطي»، كان أفضل من نظيره «الجمهوري»، ولكن الاحتمال النهائي والصادم في الآن ذاته، هو أن ذلك- في الأمد السياسي القصير على الأقل- قد لا يحدث فارقاً. فالمتحدثون «الديمقراطيون»، تمكنوا من التغلب بجدارة على «الجمهوريين» في اللعبة الانتخابية، ولكن قواعد اللعبة الطبيعية لم تعد سارية، بحيث يمكننا القول إنهم قد أصبحوا مسيطرين على لعبة، لم نعد نمارسها.

ولكن المؤتمرات، شهدت إلى جانب ذلك شكاوى من آباء مكلومين تتالوا واحداً وراء الآخر. فالخوف من الموت العنيف، بات يشغل بال الجميع- من داعش ورجال الشرطة، والأشخاص المنفردين المختلين اجتماعياً. كما أن العقد الجوهري للمجتمع- وهو أنك عندما تتصرف بمسؤولية فإن الأشياء سوف تتحقق على النحو المأمول- لم يعد قائماً بالنسبة لأناس كثيرين.

ربما يرجع ذلك إلى أنه في هذه اللحظة من الخوف، واللامبالاة، والقلق، والتشاؤم العميق، ربما يكون معظم الناخبين قد قرروا فيما بينهم وبين أنفسهم، أن التحضر يعني استسلاماً لمنظومة جامدة، وأن التفاؤل هو أفيون البلهاء، وأن التواضع والكياسة لا تعني سوى الاستسلام لجزاري «داعش»!

*محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا