• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

المهجرون قسراً وقهراً (1/2)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 31 يوليو 2016

يقول الشاعر محمد مهدي الجواهري «وما طالَ عصرُ الـظُلم إلاَّ لحكمةٍ.. تُـنبئُ أن لا بُدَّ تـدنو المصارع».

كان يقود سيارة الأجرة عائداً لأهله ظهره متيبس من طول الجلوس خلف المقود ويحمد الله أن حنن ورقق قلب صاحبها وسمح له بالعمل عليها مقابل أجر مراعاة لظروفه الصعبة وحمله الثقيل وهو قد جاوز الستين من العمر، ولكن الحزن والقهر والهموم زادته سنوات فوق عمره، كانت الشمس تنسل بهدوء نحو الغروب ودموعه تنسل معها وفي كل غروب حين يتذكر أولاده الثلاثة الذين فقدهم في يوم واحد وعند الغروب حين اقتحم مسلحون بيته من مليشيات الطائفية وعصائب أهل الشيطان وأخذوهم لمكان مجهول ووجد بعض المارة من الناس صباح اليوم التالي جثتي اثنين منهم مرميتين في حقل قريب لا حياة فيهما وقد تشوه جسداهما ووجهاهما من آثار التعذيب واختفى أصغرهما ولم يعلم أحد عن مصيره ومن ذلك الحين شيئاً، كانوا قبلها بأيام قد تلقوا تهديدات بالمغادرة وترك دارهم وما يملكون لأنهم أصبحوا أناساً غير مرغوب فيهم بمدينتهم في هذا الزمان، وبعدها بأيام زاره رسول من طرف المجرمين وأعطاه إنذاراً بترك الدار وباقي أهله وإلا سيلاقون نفس المصير، وها هو يتذكر بيتهم وبستانهم الصغير وكذا بيوت أعمامه وأقاربه في مدينة المقدادية في محافظة ديالي، يتذكره بحنين وشوق كحلم بعيد لذيذ يأخذه بعيداً عن همومه وأحزانه ويتذكر جده وجدته وأخواله وأعمامه وكل الأقارب والجيران حين كانوا يجتمعون في الأماسي يتسامرون ويتبادلون الأحاديث والأخبار وكان الجميع في المدينة يعيشون أخوة لا تفرق بينهم طائفة أو ملة أو دين، كانوا يعيشون معاً وعلى مر العصور بسلام. ولكنهم اليوم أصبحوا وبعد مئات السنين غير مرغوب فيهم فقد أتى الفرمان من الملالي بطهران وبسبب قرب مدنهم ومحافظتهم من حدودها فيجب تأمينها وتطهيرها «وتغيير ديموغرافيتها البشرية» هكذا كما سمعها من أحدهم ولم يفهمها وحينما سأل علم وفهم، أنها «عملية إبادة وتهجير قسري لمكون معين بذاته» لتكون ديالى وكل مدنها ومن يعيش فوق أرضها من المكون الآخر وبذاته فقط وفقط لأجل أن تطمأن إيران لتجتث مئات الآف منهم، والذين كانوا يعيشون فيها رغد العيش بسلام، أولاده الثلاثة كبيرهم كان يعمل موظفاً في إحدى الدوائر ويساعد أباه في المساء في البستان الصغير يأكلون من ثمارها ويبيعون منها ما يفيض، متزوج بابنة عمه وتركها مع خمسة من الأطفال الصغار الأيتام بنتان وثلاثة أولاد. والأوسط كان يعمل مدرساً في مدرسة بالمدينة ومتزوج ببنت خاله وله من الأطفال ثلاثة ذكور تركهم خلفه وأمهم، وولده الأصغر المفقود كان في السنة النهائية بكلية الطب، ثمانية من الأيتام وقتيلين من الشهداء وأرملتين ومفقود، وغيرهم مئات الآلاف من ضحايا حقد دفين تحمله ريح صفراء مسمومة تهب على بلادنا من الشرق ومنذ قرون.. وظل هؤلاء الأطفال اليتامى وأمهاتهم من غير والٍ ولا معيل، يضيق صدره والدنيا من حوله، فهم ضائعون يلفهم القنوط بسحب قاتمة من الهموم.

بكتهم من بعد رحيلهم أمهم حسرة ولوعة وكمداً وأراحها الله من عذابها من بعد فقدهم بشهور، فقد الرغبة في الحياة ولكن أحفاده وأمهاتهم الأرامل ليس لهم من بعد الله من معين سواه عافت نفسه الحياة ولكم تاقت للقاء الأحبة الذي رحلوا من غير ميعاد، ولكنه خائف وجل يلفه الهم والحزن على مصير هؤلاء المعلقين، في رقبته من الأحياء وهو معلق بين الروح والجسد موزع بين الأرض والسماء.

مؤيد رشيد - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا