• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

من الآخر

وصل مقطوع

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 21 أبريل 2014

ليس أمتع لدى المرء وأحب إلى شعوره من جلسة تجمعه بأفراد العائلة يسترقها من زحمة المشاغل والأفكار، يترجم خلالها حبه لهم بكلمة طيبة لزوجة تسعد بسماعها، أو لمسة حانية لطفل يشعر بدفئها، أو بسمة إعجاب لشاب تحفز حماسته، تحيطهم هالة من الدفء التي تمد حياتهم بالطاقات الإيجابية، وتحمي أيامهم من عثرات الحياة وتزود طريقهم بزاد التقوى، فيواصلون ويصلون إلى مبلغ الإنسان بأبعاده الأخلاقية العاطفية والنفسية الصحيحة الخالية من فيروسات العصر المنتشرة عبر مجرى الدماء.

لا أنكر أن التجمعات العائلية لا تزال تتم، ويحرص على حضورها البعض بنفس المكان والزمان اللذين اعتادتهما العائلة، وفي الغالب بنفس النصاب من أفراد العائلة، بيد أنها خلت من أبعاد الحضور الحقيقي التي كانت تتمتع به .

لا ندري من المسؤول عما آل إليه حال لقاءاتنا التي لم تعد أكثر من لقاءات غرباء في صالات المستشفيات أو قاعات انتظار العملاء، بل قد يحدث بين الغرباء بعض الحوار العابر حول الجهة التي ينتظرون أن تنجز معاملاتهم، بيد أن العائلة أنهت كل ما تريد مناقشته بكلمات مقتضبة آثرة توفير الوقت والاهتمام والتركيز لما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي، أو ما يمكن أن نطلق عليها وسائل التقاطع الأسري.

ماذا فعلت وسائل التواصل الاجتماعي دون دراية لها أو قصد منها ؟، ما أن دخلت حياتنا، وتربعت على الفكر والأعين والأصابع، وسعدنا بذلك التواصل الذي تميز بسرعة الانتشار وقلة التكاليف وسلاسة تعاطي المعلومات عبر الصور والفيديوهات حتى انضم جميعنا إلى الركب الحضاري الجديد لئلا نبقى في مؤخرة الصف ونصبح على ما فاتنا من خير التطور نادمين.

ولو حاول أحدنا استحضار الصورة الحالية للاجتماع الأسري سنجد أبناء يعيشون مع الهاتف بل داخله، وإذا ما أراد الأبوان التحدث إلى أبنائهما لأمر هام يرد الابن مستعجلا «قل قل أبي أنا أسمعك»، رغم أنه مركز مع الهاتف ومن يراسله عبره ، أما الأم فصارت تجلس الساعات تدير مفاتيح الخلوي للتعرف على كيفية التعامل مع زوجها الشارد أو لقراءة وصفات الجمال أضف إلى ذلك «الجروب» الذي يجب ألا تتجاهل أحد فيه وتصور عبره يومها منذ الصباح وحتى النوم وغرفته ، وإذا ما احتاجتها طفلتها نجدها ترد متذمرة «هنوده تراج حشرتيني ليش ماتسيرين حق الخدامة تراه إلا كوب ماي إن شربتج أنا ولا شربتي من ايد الخدامة كله واحد».

أما الأب فلم يسلم من العدوى على مبدأ «من شرب من ماهم ما سلم من حماهم» فإن كان يتهرب من طلبات الزوجة بمشاهدة التلفاز والخروج من البيت فها هي المناسبة التي هيأت له فرصة الخروج من المنزل وهو جالس فيه، فلم يعد وجوده أكثر من صورة لرب أسرة تسمر على كرسي أمام التلفاز وفي يده النقال، صورة ثابتة لا يتحرك فيها سوى أصابعه، لا يرمش لنداء ولا يستجيب لصرخة، فأصبحنا كالأسلاك الموصلة للكهرباء لكن للأسف خالية من تيارات الإحساس، فإلى أين أيها الوصل المقطوع ؟!

نورة نصيب

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا