• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

رؤية

في مديح الفراغ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 أبريل 2015

عبد السلام بنعبد العالي

ضد القائلين مع أرسطو بأن الطبيعة تهاب الفراغ، يذهب آخرون إلى القيام ضد هذا السعي نحو الملء والامتلاء. ذلك ما نقرأه، على سبيل المثال، في كتاب التاو تي تشينغ: «تلتئم أشعة العجلة عند المركز والفراغ، بفضل هذا الفراغ تتحرك العربة. يصنع الإناء من الطين، غير أن فراغه هو الذي يجعله صالحا لوظيفته. تخترق المسكن أبواب ونوافذ، بيد أن فراغها هو الذي يجعله قابلا للسكنى... وهكذا نصنع أشياء، غير أن فراغها هو الذي يعطيها معنى».

بيّن فرانسوا شينغ في كتابه القيّم «الفراغ والامتلاء، لغة الرسم الصيني» الأهمية الكبرى التي يتخذها مفهوم الفراغ في التراث الصيني، تلك الأهمية التي تجد بلورتها في الفكر التّاوي الذي يذهب إلى التأكيد بـ»أن ما يُعْوِز manque، هو ما يمنح أسباب الوجود».

ليس الفراغ، كما يُظنّ عادة، شيئا غامضا لا يفعل ولا يؤثّر، بل هو عنصر في غاية الحيوية والتأثير، إنه ما يعطي وظيفة ومعنى. وحينما يُحدث في نظام مّا انقطاعا وانعكاسا، فإنه «يتيح للوحدات المكوِّنة للنّظام تجاوز التناقضِ الصّارم، والتطوّرِ في اتجاه واحد بعينه». يصدق هذا على أنحاء مختلفة، يصدق في الموسيقى، مثلما يصدق في الشعر والرّسم والتصوير، بل إنه يؤدي دورا أساسيا حتى في فنّ الطبخ.

ففي العزف الموسيقي «يُترجَم الفراغ ببعض الإيقاعات المتأخرة النّبرة، وبالصمت قبل كل شيء..حينما يقطع الصّمت الانسياب المتواصل، فإنه يخلق حيّزا يتيح للأصوات تجاوز ذاتها والوصول إلى رنة من وراء الرنين». أما في الرسم فلا يشكل التقابل بين الفراغ والامتلاء مجرد تعارض شكلي يسعى إلى إعطاء الفضاء بعده العميق، «إذ إن الفراغ يشكل في الرسوم كيانا حيّا». في لوحات رسام صيني «قد يحتل الفراغ (المساحة غير المرسومة) مساحة تصل إلى ثلثي اللوحة. ومع ذلك، فالمشاهد يشعر أمام مثل هذه اللوحات بأن الفراغ ليس وجودا جامدا، بل تجوبه ايحاءات تربط العالم المرئي بعالم لامرئي. فضلا عن ذلك، فإنه حتى في داخل العالم المرئي (المساحة المرسومة)، على سبيل المثال بين الجبل والماء اللذين يشكلان القطبية، يسري الفراغ متمثلا بالغيمة...في المنظور الصيني، لولا الفراغ الموجود بين القطبين لوجد كل من الجبل والماء نفسيهما في علاقة تناقض صارم، وبالتالي جامد... في حين أن الرسام يخلق بالفراغ الوسطي الانطباع بأن الجبل يمكن أن يدخل افتراضيا في الفراغ ليذوب بشكل أمواج، كما يمكن للماء أن ينتصب جبلا عبر مروره بالفراغ... في ميدان الرسم على الدوام، وبفضل الفراغ الذي يقلب المنظور الخطي، يمكن للمرء أن يتحقق، داخل لوحة ما، من علاقة الصيرورة المتبادلة بين الإنسان والطبيعة من ناحية، وبين المشاهد واللوحة في شموليتها من ناحية أخرى».

ليست المقابلة بين الامتلاء والفراغ، والحالة هذه، مقابلة النقيض للنقيض. بل إن العلاقة التي تربطهما فيما بينهما علاقة ترابط حميمي. فالفراغ لا يقابل الامتلاء مثلما يقابل الحضور الغياب، والوجود العدم. ليس الفراغ مجرد الشفافية والغياب في مقابل امتلاء يكون كثافة وحضورا. فـ » بما أن الفراغ هو محرك الأشياء كلها، فإنه يتدخل في الامتلاء نفسه ويبعث فيه ايحاءات حيوية».

الفراغ إذن هو ما وراء حيوية الامتلاء، ما وراء تصدّع الكائن وابتعاده عن نفسه. إنه ما يجعل الوجود ينخره الزمان، وما يحُول دون أن تتخذ الأمور مسارها في اتجاه واحد، فيحوّل مجرى التاريخ قطائع وانفصالات، ويجعل الهوية تباينا واختلافا، والوحدة كثرة وتعددا.

الفراغ هو التوالد اللامنقطع، إنه التجدّد والاغتراب الدائم. وهو ما يكسّر رتابة الاتصال، وثقل التقليد لينتصر لخفّة الكائن، وانفتاح السؤال، إذ ما عسى يكون السؤال سوى التعبير عن النقص والعَوََز. فالكلام المتسائل يؤكد بسؤاله أنه ليس إلا جزءا يطلب ما يكمّله. لكن، ليس السؤال ناقصا بما هو سؤال. إنه، على العكس من ذلك، هو الكلام الذي يمتلئ ويكتمل عندما يفصح عن نقصه وعدم اكتماله. كتب موريس بلانشو: «إن السؤال يضع الإثبات الممتلئ في الفراغ فيكسبه غنى وثراء بفضل هذا الفراغ».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف