• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

شعره الهامس يخترقنا كما الرّيح التي تعبر الغابة

توماس ترانسترومر..خبير الخيوط المفضية إلى متاهات الأرواح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 أبريل 2015

ترجمة - أحمد حميدةبقلم الشّاعر الفرنسي جيل برسنيتزار

توماس ترانسترومر هو هذا الشّاعر والكاتب المسرحي الذي حصل رغم كثرة المتشكّكين، على جائزة نوبل للآداب سنة 2011، وقد تحدّث البعض حينها، عن تلاعب في إسناد هذه الجائزة، ولئن كنّا نأسف على تجاهل كتّاب من حجم أدونيس وأموز، فإنّ هذا التّكريم يبدو حقيقة مستحقّا، بل إنّه جاء متأخّرا لأنّ ترانسترومر بمئات أبياته الشّعريّة كان قد كشط الأرض في العمق، ليجعلها تُنبت منهج حياة، والبدلة القياسيّة التي يخيطها الموت المتشمّم حولنا جميعا، يعرفها ترانسترومر ويحملها على ظهره، وهو لا يتوقّف عن دقّ مسامير كلماته كي يثبّت فيها الأشياء الجوهريّة، فيما لا تتجاوز أعماله الكاملة ثلاثمائة صفحة.. وهو زيادة على ذلك من أكثر الشّعراء المعاصرين ترجمة، إذ نقلت أعماله إلى أكثر من ستّين لغة.

بكلمات بسيطة، واستعارات شفّافة، ينفذ ترانسترومر إلى داخلنا بلطافة ورخاوة، وقد يكون ذهب إلى الأعمق والأبعد في أحلامه، ليبلغ حدّا يجعله يستحضرها جزءا جزءا، قبل أن يعيدها إلينا.

ومع ذلك، فعندما نقبل على قراءته، تبدو كلماته وكأنّها قصص قد أسرّ لنا بها حول شعلته الدّاخليّة، حكايات من الماضي، حكايات جدّه، حكايات بلد لا يزال بكرا، ولكنّها ليست البتّة بطاقات بريد حنين إلى زمن مفقود، فهو يعرف أيضا التحدّث عن العالم الحديث الذي يحيط به.

قصائده هي في الأغلب مزامير لزمن آت، يحفظ فيها كلّ شيء ولا يراق فيها دلو حليب الذّاكرة، ثمّ ذلك الإحساس بالتّواجد «هنا وهناك، في مكان آخر» الذي ينبغي أن يحفظ كما الزّهريّة المترعة حدّ الكفاية، والتي نحاذر كي لا نجعلها تندلق.

تتملّكه الرّيبة من الكلمات، لذلك أمضى كلّ حياته باحثا عن لغة.. عن معنى عميق للعالم، متجنّبا ما هو عبثيّ وعقيم. لا تؤانسه غير الموسيقى، وهو العازف الموهوب على البيانو، الذي بات يعزف عليه باليد اليسرى بعد أن إن أصيب - وهو في سنّ التّاسعة والخمسين - بشلل نصفي سنة 1990، شلل يضطرّه إلى التنقّل تحت وطأة تلف دماغيّ في كرسيّ متحرّك، ولكن دون الابتعاد عن رفيقيه: البيانو الودود وورق الكتابة.

يعيش ترانستومر اليوم منفردا رفقة زوجته في جزيرة على بحر البلطيق منصتا بنفس القدر لنبض الواقع ولحفيف الأشباح. يبدو شعره في ظاهره غاية في البساطة لذلك يتخلّى الكثيرون عنه باستخفاف، بينما نحتاج لتذوّقه أن نجعله يخترقنا كما الرّيح التي تعبر الغابة، فكلماته ليست عالية الصّوت وقويّة، وإنّما هي همسات ثقيلة بمعانيها الإنسانيّة، خفيفة وثقيلة بالأمل في آن. فنحن لا يمكن أن نقرأ لهذا الشّاعر إلاّ ونحن نمضي معه جنبا إلى جنب، وإلاّ فإنّ سحر كلماته سيتوقّف، وسيجعلنا نلوذ بشراب قويّ آخر، ولكن أحيانا ما تذهب الإشاعة أبعد من الصّرخة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف