• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

أدبيَّات التدبُّر والتفكُّر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يوليو 2016

تمرُّ أمَّتُنا بليلٍ بهيمٍ يعجُّ بالأحداث، تعصفُ بها ريح الفِتَن، تضربُ جسدَها العليلَ أمواجٌ شديدةُ الاضطرابِ، وكثيرٌ في حَلَكة الظلام يعتلي المنصَّات، ويتناحرُ على القنواتِ والوسائطِ الإعلاميَّة، والعقلاء قليلٌ ما هم. أطنانٌ من الأخبار والتحليلاتِ تُبَثُّ على مدار الساعة، يختلط فيها الغثُّ بالسَّمِينِ والصحيحُ بالمغلوطِ والواقعُ بالمزيَّفِ والحقيقةُ بالخداعِ. واقعٌ يفرض على العقل المتَّزن الوقوفَ طويلاً أمام تسونامي المعلوماتِ الانتقائيَّة، يعرِّج على مقروءٍ مرَّةً ويُنصِت إلى المسموعٍ مراتٍ ويتأمَّل المرئيَّ طويلاً ولا يثقُ بالرقميِّ كثيراً، فعواقبُ ما يتلقَّاه على غيرِ المتدبِّر وَخِيمَة، تُذهب العقلَ وتُعمي الأبصارَ وتفجِّر في العروق حميَّة الجاهليَّة، والهدفُ عارٍ عن الفضيلةِ أقربُ لِبَثِّ الفوضَى والرذيلةِ.

أخطبوطٌ حاقدٌ حاذقٌ يتمركزُ في غرف عملياتٍ، يبثُّ حِبْره المسمومَ لتزويرِ حقائقَ على نحوٍ مُمنهجٍ، لتتوافقَ مع أجنداته ومشاريعِه وخطوطِ إنتاجِهِ الخفيَّة، لا يتوقفُ ليلَ نهارَ عن تصدير محتوياتٍ معرفيَّة مشبوهةٍ، هدفُها تغييبُ العقلِ وإذكاءُ التطرُّف وتعزيز أفكارٍ هدَّامةٍ وسموم عقليَّة وفُرقة مجتمعيَّة وطائفيَّة تعيدنا للجاهليَّة، باتت تشكل خطراً داهماً موجَّهاً بشكل مكثَّف إلى جيل الشباب وأمل الغدِ وقادةِ المستقبل، مما يضعنا أمام مسؤوليَّة تحرُّكنا العاجل لمراجعةِ خُططنا وأدواتنا الدفاعيَّة ومنصَّاتنا الإعلامية وخطابنا الدينيِّ والإعلاميِّ والثقافيِّ والتعليميِّ، وكيفية التعامُل مع هذا الطوفان المعلوماتيِّ المرتبط بتوجُّهاتٍ خبيثةٍ عبثيَّةٍ تمسُّ الأمنَ الفكريَّ والسلامَ المجتمعيَّ والنهجَ العقليَّ والتوازنَ الذاتيَّ الحياتيَّ لأمَّةٍ باتت تصارعُ أذرُعَ هذا الأخطبوطِ الممتدَّةَ في كلِّ مكانٍ.

في زمن الفتن والمحن، يتعيَّن التحلِّي بالتوازُن وإتقانُ فضيلةِ التدبُّرِ وتأمُّلُ العواقبِ وحسابُ الخطواتِ بعقلانيَّة، واليقظةُ لما هو آتٍ بموضوعيَّة، والوعيُ الدائمُ بأهميَّة تقييم المرحلة بمنطقيَّة، ومراجعةُ مضمون الرسائلِ من معنًى وسياقٍ ومناسبةٍ، مع التركيز على الهدفِ واختيارِ التوقيتِ المناسبِ لاتخاذ القرار، والتحقُّق من المصدر، وقراءة ما بين السطور، ومدُّ البصر إلى آفاقٍ مهمَّة في التحليل الشكليِّ والموضوعيِّ لهذا الكمِّ الهائلِ الهادرِ من المعلومات، وصولاً إلى فهمٍ ذهنيٍّ معرفيٍّ عقلانيٍّ. ببساطة، التدبُّر منصَّة يقينيَّة راسخة قوامُها أن كتابَ اللهِ وصحيحَ سُنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- هي ثوابتُ صالحةٌ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، أمَّا ما يَرِد لنا عدا ذلك فيحتاج إلى إعمالِ العقلِ الذي وهبنا إياهُ الرحمنُ وميَّزَنا به عن سائر الخلائق، كما ورد في القرآن العظيم: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً) [النساء:82].

وإنْ طال بنا ليل التحدِّيات وتعثَّرت بنا الدروبُ لا بدَّ من استحداثِ أدواتٍ فاعلةٍ تتفوَّق على الوسائلِ المتواضعةِ مثل وثيقة «تجديد الخطاب الديني» وعقد «ندوات توعويَّة» محدودةِ الأثر حتى ينجلي الظلامُ ونبصرَ الخيطَ الأبيضَ من الفجر، فالخَطْب جللٌ، والحاجَةُ مُلحَّة للحفاظ على أمننا الفكريِّ والمجتمعيِّ وموروثنا الحضاريِّ من خلال تغييرٍ جذريٍّ في التشخيصِ والتخطيطِ والتنفيذِ والمتابعةِ لإبطال مفعول منتجاتٍ حداثيَّة عصريَّة تدميريَّة تدسُّ السُّمَّ في العسل لفتنةِ الأمَّة، كفانا مشاريعُ ومبادراتٌ تقليديَّة لا تتناسبُ مع خطورة وضبابيَّة معالم المشهد الحاليِّ. ما أحوجَنا إلى مناهج إعدادِ وتأهيلِ متدبِّرين متفكِّرين عاقلين وسطيِّين معتدلين إيجابيِّين فاعلين مؤثِّرين مُبادِرين ليكونوا بحق سفراءَ خيرِ أمَّة أُخرِجت للناس أجمعين.

دكتور/ عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا