• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

شرّح من الداخل بمبضع الجراح الماهر

ماركيز منح الكتابة معاني الالتزام والمسؤولية الأخلاقية

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 19 أبريل 2014

حكيم عنكر (الرباط)

على الرغم من كون أجل رحيله كان متوقعا، بسبب المرض الخبيث الذي أنهك جسده، علاوة على المعارك الأدبية والحياتية التي خاضها، في بلده كولومبيا أو في المكسيك، مأواه ومنفاه الاختياري، أو في الإقامة القسرية في باريس وغيرها من البلاد الأوروبية التي احتضنته، باعتباره معارضا سياسيا، فإن كل ذلك، لم تنزع طابع الرهبة عن هذا الرحيل العظيم لكاتب ظل يجمع حوله ملايين القراء الأوفياء، من كل أنحاء العالم. هذا هو غابرييل غارسيا ماركيز الذي رحل عن سن 87 سنة، وعاش حياته كما أراد وكما خطط لذلك، دون أن يتنازل عن القيم الكبرى التي دافع عنها، مخلصا لصاحبة الجلالة، الصحافة، ومعترفا بأثرها الكبير عليه، ككاتب وروائي.

في حضرة صاحبة الجلالة

الصحافة، وبالتحديد، تقنية الروبورتاج والتحقيق والتقارير، هو ما منحه هذا الامتياز الكبير بين كتّاب كبار وعمالقة جيل الرواية الأمريكو ـ لاتينية، من أمثال فونتيس وأوكتافيو باث وخوان رولفو وخوليو كورتزار، وغيرهم ممن شكلوا تلك الاختراقات الكبرى في السرد الروائي العالمي، متجاوزين نمطية وكلاسيكية التقنية الروائية الأوروبية، ومنحازين عن الأدب الأميركي، الذي كان مشغولا بتحقيق الذات والمغامرة وثنائيات الأبيض والأسود، الجنوب الأميركي والشمال، الأمة والعرق. لا يمكن قراءة أدب ماركيز، بمعزل عن هذه الخصوصيات ودون استحضار هذه المرجعيات الثقافية والاجتماعية، وبلا فتح الأعين على الصراع السياسي الذي كان سائدا في تلك الفترة، فهناك وجوه شديدة التأثير صاحبها ماركيز واقتسم معها قناعات سياسية ظل عليها لوقت طويل. ويبرز الثنائي إرنستو تشي غيفارا وفيديل كاسترو، كأحد الرموز السياسية الأشد تأثيرا في زمنها، والتي كان يجتمع حولها محيط كبير من مثقفي أميركا اللاتينية، من البيرو ومن كولومبيا ومن السالفادرر والمكسيك وغيرها، وبشكل متزامن مع كل هذا، كانت الأرض تميد تحت أقدام الجميع، بسبب الحروب الأهلية الهوجاء وفساد الأنظمة السياسية والتمزق الاجتماعي وسيادة منطق العصابات على منطق الدولة.

المذكرات وتعاليم الكتابة

الأثر الروائي والأدبي لغابرييل غارسيا ماركيز يكاد يكون محفوظاً على ظهر قلب من طرف المهتمين بأدبه وقرائه في مختلف اللغات التي ترجم إليها. لكن ربما تكون مذكراته التي تحدث فيها عن أدبه وحياته أو عن عالمه الإبداعي من أروع ما كتب، لأنها تكشف الوجوه المتعددة لهذا الكاتب المحترف والدقيق، الذي كان يتمسك بطقوس خاصة في الكتابة وبرنامج دقيق لا يحيد عنه، كما كان في الوقت نفسه، على قدر انعزاله وصرفه الساعات الطوال في محترف الكتابة، صاحب حضور اجتماعي لافت للنظر وقادر على خرق ذلك الكليشيه المرتبط بالكاتب التقليدي المنعزل عن الأضواء والهارب من المجتمع. وقد أفاد ماركيز كثيراً من عمله كصحافي تحقيقات، وهي المهنة التي كانت تلزمه بقدر كبير من التتبع والدقة والموضوعية، شبيهة بتحقيقات الشرطة، لكنه في كل ذلك، كان يمنحها طابعه الخاص، والأسلوب المميز له، مما جعل النقاد، لاحقا، يطلقون على شكله الكتابي «الواقعية السحرية» وهو توصيف، ظل لا يلاقي في نفسه هوى، إذ كان يعتبر أن مرد ذلك، لا يعود إليه هو نفسه فقط، بل إلى التركيبة الثقافية لبلدان أميركا اللاتينية، ذات المرجعية الإسبانوفية، ممزوجة بخليط من الثقافات المحلية الغنية. يمكن هنا تحديدا، الإشارة، إلى أن ماركيز، حين كان يسأل من طرف النقاد والصحفيين، عن «السحري» في أعماله، كان يرد الوصفة السحرية، إلى المحلية، وكان يردد دوما أن المحلية هي منطلق العالمية وصانعة الكاتب الكبير وليس العكس، بمعنى أن تعرف الجذور جيدا وتنطلق منها، وهذا ما تحقق له فعلا من خلال متونه الروائية.

الكاتب والسياق

قدر لماركيز أن يبدأ حياته الأدبية من العاصمة الكولومبية بوغوتا، في زمن الديكتاتوريات المقيتة، كصحفي روبورتاجات وتحقيقات في صحيفة صغيرة، سرعان ما سيشد إليه الانتباه بفضل التحقيقات المدوية التي كانت تفزع وتخيف رموز النظام العسكري في بلده.

ففي تلك السنوات الصعبة من ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي تحول ماركيز وغيره من رفاقه في كولومبيا وبلدان أميركا اللاتينية التي كانت ترزح تحت نير الديكتاتوريات، إلى ظاهرة ثقافية وسياسية وإعلامية مؤثرة، واستطاع هؤلاء المثقفون أن يكونوا في الصف الأول لشعوبهم، معبرين عن الحاجة القصوى إلى الحرية والديمقراطية. في كل أعماله، كان هذا الكاتب المدوخ، يتمتع بتلك العين اليقظة، وظل أسلوب التقرير الصحفي يرافقه في متونه الروائية، رشيقا وممتعا ومدهشا ومؤثرا فكريا وأخلاقيا. ويقدر ما حكى عن الشعب وعن الحب وعن طاقة العشق، حكى أيضاً عن الحرية وفن الحياة، وجعل مركب الخير والشر يبحران معا في نفس اللجة، لكنه في كل ذلك لم ينس الديكتاتور، لقد قام بتشريحه من الداخل بمبضع الجراح الماهر، كان بفضل مراسه السياسي، يعرف نفسية الديكتاتور المنهزمة، لذلك دفع قراءه في جميع أنحاء العالم، إلى عدم الانخداع بالنياشين الثقيلة ولا بالأوسمة البراقة ولا بالرتب العسكرية التي يمنحها الديكتاتور لنفسه في لحظات الجنون الأعمى. في كل أعماله، جسد ماركيز هذا المنحى الراديكالي في الكتابة وفي الإيمان بالحرية والكرامة. ففي إحدى أقصر رواياته «يوميات بحار غريق» استطاع أن يجعل من مجرد غرق سفينة تجارية لنقل البضائع تابعة للحكومة الكولومبية في عهد الديكتاتور، بابا لكشف الفساد المستشري في أوصال النظام الحاكم القائم على التهريب، حيث تتحول الدولة من حامية للاقتصاد الوطني إلى معول لهدمه. الحكاية، سيرويها البحار الوحيد الناجي الذي كان على ظهر السفينة، والذي حولته الحكومة الفاسدة في محاولة لإرشائه إلى «بطل قومي». لكنه في لحظة صحوة ضمير، سيحكي للصحافي الشاب الذي كان بتعقب القصة، الرواية الأصلية. لاحقا، سيلتقي الكاتب الفعلي كما في الرواية، بالبحار، كانت قد نزلت عليه لعنات الحكومة بعد اعترافاته تلك، ليتحول من بطل قومي إلى مجرد شحاذ في طرقات بوغوتا.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا