• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

قراءة في لوحات سعد يكن

مَن يشتري الألمَ العربيَّ فينا؟!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يوليو 2016

عبير زيتون

قد لا ينجح نص في التعبير عن لوحة الفنان التشكيلي المعروف «سعد يكن» كما تفعل لوحته ذاتها. وهي تلوذ ببلاغة ملوحتها السوداوية في سرد متاهة الألم العربي اليوم، وهو يتصاعد مع سواد المصير العبثي المطلق المحيط بنا، كتابوت صمت، صلب، قاتم، يوحي بحلكته أن لا فرار منه. نحن البشر منفيون داخل هشاشتنا، وعجزنا أمام طغيانه، مهاجرين، محاصرين، معزولين، رازحين تحت ركام من الخوف والغموض والقلق العظيم أمام سؤال إبداعات الشر الخارقة وسيوف الظلام الذابحة وهي تختبر فاعليتها وديناميتها على أعمارنا وأرواحنا وأيامنا، كالقدر الأسود الذي لا يُرد إلا بأقدارنا.

عبر تدرجات ألوان اللوحة، الغاصة بالسواد المظلم، تسمع -عزيزي القارئ- أصوات صراخ مكلوم، تتأتئ بها أفواه أطياف بشر، وهي مرصوصة بضغطها، هلامية، ممغنطة في جاذبيتها مع الآخرين، ولكنها وحيدة، وغريبة بعضها عن بعض، حيث لا فرح، لا بداية، لا نهاية، لا حلم، لا ماض، لا غد، لا حياة، لا سلام، لا أمان في انغلاق صلب، وتشكيل جارح يفتح فيه الأشداق على سؤال معنى العدم فينا وحولنا!

تبدو شخوص اللوحة هلامية، وهي في انكماش قلق السؤال تبحث في ضياعها المتراكم داخلها والمحيط بها، عن حقيقة وجودها في فوضى العزلة القاهرة، الكثيفة بقسريتها، بينما هي مذعنة لهذا التيه فيها، والأشبه بالفراغ الكبير الممتلئة به، معزولة ككتلة من المشاعر القوية الحائرة، والسابحة في فضاء مغلق على أسئلة موجوعة، مؤلمة بفقدها، وحالها كأنها تستجدي في صمتها الصلاتي رحمة الضمير، ورأفة المصير المرفوع على ضباب من أعمدة العدم، وعدم اليقين!

نرى في هذا المشهد البصري الكثيف ملامح لقامات بشر حوّلها ثقل الوجع والألم والخوف والعزلة، إلى خائرة، ضعيفة، مصعوقة، محوّرة المعالم، مشوّهة النظرات، منكسرة، لها أطراف متطاولة، حافية، كأنها خِرق أجساد بالية، مربوطة بأسلاك مُحكمة تشدها إلى قاع بئر السواد، وقد خلع عنها كيانها، فاغتربت، وتشردت في غياهب عبودية مفروضة عليها وحولها. كأن موتاً قريباً، قَدرها.. لكنه لم يأتِ بعد.

في حين أنه يجاورها، يحيط بها، ويترصدها وهي ضعيفة، منكسرة تصرخ صراخاً صامتاً من وجع السؤال، وهو يتشرد منها قلقاً في غابات السواد. وقلق آخر تلحظه، ولا يجرؤ على البوح، يتسرب من لون الأجساد الشفافة بكثافة بياضها، وهي تحت رحمة سيف الظلمة الطويل، الذي يقطع أي معنى... ويبدو لا يفهم «سوى الخراب».

كأن الفنان «يكن» وهو يعايش الألم السوري، ويتذوقه بكل عتمته وضجيجه، يقول لك عبر ألوان مشاعره الكابوسية، وهي تحوم أبعد من مكانها هادرة، حافية، حامضة، غامضة أمام المصير، يقول: لا يمكن أن تكون طبيعياً ساكناً في عزلتك، وصمتك، في واقع غير طبيعي. لا شيء يبدو طبيعياً في هذا المخاض الكابوسي، الذي لا بداية له، ولا تبدو هناك نهاية سوى أرواح البشر، وندوب وجع الروح فيه يحملها كوابيس حسية أينما حل! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف