• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

حزب «العمال» الذي يدافع عن الاتحاد الأوروبي اليوم كان متضارباً في مواقفه إبان 1974، أما «المحافظون» المنقسمون اليوم بشأن الاتحاد الأوروبي، فقد كانوا من أشد المؤيدين له

بريطانيا والاتحاد الأوروبي.. مواقف متقلبة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 08 أبريل 2015

«وفِروا ما يكفي من الزبدة للبريطانيين ولن يترددوا في البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي»...كانت تلك العبارة التي راجت في استفتاء 1975 عندما صوت البريطانيون في غالبتهم لمصلحة المشروع الأوروبي، لكن وفيما يتدارس البريطانيون اليوم تنظيم استفتاء جديد تعود دروس الماضي لتطفو على السطح. والحقيقة أن الكثير منها يمكن الرجوع إليه في أرشيف الاتحاد الأوروبي ببروكسل لاستخلاص العبر، وأيضاً للتأكيد على أن العوامل نفسها التي حركت الموضوع وقتها تحركه في استفتاء اليوم. فالتكتيكات البريطانية خاضعة بشكل كبير لاعتبارات التدافع السياسي المحلي، وأيضاً للمقاومة الفرنسية وعناد سياسييها، ثم المخاوف الألمانية من زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي، وأخيراً الصياغة الدبلوماسية لأي اتفاق من قبل كبار موظفي الاتحاد الأوروبي التي غالباً ما تُظهر انتصار بريطانيا فيما هي قدمت تنازلات مهمة. لكن رغم تشابه الدروس بين الأمس واليوم لا شك هناك اختلافات وأهمها المشهد السياسي البريطاني المتشظي بين المحافظين والمعارضة العمالية اللذين لا أحد منهما يحظى بأغلبية واسعة لدى الرأي العام غير الواثق بهما، وهو ما يعني أن الاستفتاء الذي يخطط له ديفيد كاميرون في 2017 ويعد أحد أبرز نقاط الأجندة الانتخابية للمحافظين، لن يكون حاسماً على غرار استفتاء 1975 الذي قرر فيه 67 في المئة من البريطانيين البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي.

هذا الأمر عبر عنه أندرو جلينكروس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستيرلينج، قائلاً «ستكون نتائج الاستفتاء متقاربة مقارنة بالاستفتاء السابق، والسبب هو النخبة السياسية المنقسمة على نفسها ووسائل الإعلام الحذرة، ما يعني أنه من الصعب تمرير أي نتيجة على أنها إعادة ناجحة للمفاوضات على بنود المعاهدة الأوروبية»، وبالعودة إلى استفتاء 1975 الذي خيّر البريطانيين بين البقاء في الاتحاد الأوروبي أو مغادرته، اقتنع البريطانيون أن سنة كاملة من المفاوضات والشد والجذب مع المؤسسات الأوروبية كفيلة بتحقيق نتائج جيدة، وكانت بريطانيا قد طرقت أبواب الاتحاد الأوروبي مرتين خلال ستينيات القرن الماضي طالبة الانضمام فقط لتوصد في وجهها الأبواب على يد فرنسا التي صوتت ضد دخول بريطانيا للمشروع الأوروبي، وعندما تمكنت من دخوله عام 1973 اكتشفت أن ثمن الوصول إلى جائزة السوق الأوروبية كان تقديم الدعم لبعض القطاعات الأوروبية، لا سيما المزارعين الفرنسيين، لذا وعندما انتخبت حكومة «عمالية» بقيادة «هارولد ويلسون» في مارس 1974 تعهد بتصويب الخلل والمطالبة «بإعادة التفاوض». ورغم أن البريطانيين حققوا في مفاوضاتهم بعض التقدم مثل رفع الحواجز الجمركية المفروضة على منتجات الألبان القادمة من نيوزيلندا، فإن أموراً أخرى ظلت عالقة حتى اليوم مثل التوافق على موازنة الاتحاد الأوروبي.

وتُظهر محاضر الاجتماعات التي دارت بين المسؤولين البريطانيين ونظرائهم الأوروبيين أنه وقتها كما اليوم لعبت السياسة الداخلية البريطانية والتدافع بين الأحزاب المختلفة دوراً لا يقل في أهميته عن الرغبة الملحة في تغيير قواعد الاتحاد الأوروبي وبعض بنود معاهدته المؤسسة، لكن الفارق أن الأدوار بين القوى السياسية البريطانية انقلبت، فالحزب «العمالي» الذي يدافع عن الاتحاد الأوروبي اليوم كان متضارباً في مواقفه إبان 1974، أما «المحافظون» المنقسمون اليوم بشأن الاتحاد الأوروبي، فقد كانوا من أشد المؤيدين له في السابق، وكان مما حمله معه وزير الخارجية في الحكومة «العمالية»، جيمس كالاهان، في اجتماعاته مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بلوكسمبورج الشكوى من العبء الكبير الذي تتحمله بريطانيا في برامج دعم بعض القطاعات الاقتصادية التي كان من نتائجها ارتفاع الأسعار، وأيضاً تحفظه على ضريبة المبيعات المفروضة أوروبياً، وفي أحد الحوارات توجه وزير الخارجية البريطاني إلى نظرائه البريطانيين قائلاً بلهجة حادة: «لقد سئمت بريطانيا من تقديم دعم كبير إلى بلدان أخرى»، في إشارة واضحة إلى فرنسا، وهو ما رد عليه وزير الخارجية الفرنسي بلهجة لا تقل حدة، قائلا «هذا الاستعراض البريطاني غير مقبول ويهدد الاتحاد الأوروبي».

لكن كالاهان ورغم اندفاعه القوي في البداية عاد ليتراجع معبراً عن تردد الحكومة البريطانية، حيث تخلى عن مسعى إصلاح المعاهدة الأوروبية بالنظر إلى صعوبتها إذ كان يتطلب ذلك وقتها موافقة الأعضاء التسعة في الاتحاد، فيما العملية أعقد اليوم لأن العدد ارتفع إلى 28 عضواً يتعين موافقتهم جميعاً على أي تعديل في بنود المعاهدة الأوروبية، هذه التجاذبات لم تبرح الساحة الأوروبية قط وما زالت تفعل فعلها في المشاكسة البريطانية القائمة حالياً في صبغتها الجديدة على تقييد هجرة الأوروبيين إلى بريطانيا، فضلا عن استمرار الصراع السياسي، بل واحتدامه داخل الساحة البريطانية نفسها.

جيمس نيوجر

*كاتب ومعلق بريطاني

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا