• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  05:39    وفاة مواطنة وإصابة زوجها وابنها في حريق برأس الخيمة     

محمد بن راشد اكتشف الموقع الأثري من أعلى سماء دبي

«ســاروق الحديــد».. سِحر الصحراء وسرُّها

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يوليو 2016

نوف الموسى

الحُلم؛ في اليقظة الوجودية للحياة يجسد عادةً روح المكان التي تقتضي السعة الكلية لحضور الإنسان على الأرض، حضوراً يتجاوز فيه ككائن وكحيّ متحرك في الفضاء، إلى مشارك في التجلي والتكوين، ورصف التجارب الإنسانية البدائية والمتقدمة، والحرث الأفقي في اتجاه بيئة التصنيع والتركيب والخلق، ليأتي الحرث العمودي عميقاً للأسفل، مترامي الأطراف، في أعماق الرمل والحديد، فالأخير.. سر اللمحة الأولى للحَالم الكبير، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، من اكتشف في الاتجاهات المختلفة للمكان كائنات متخفية، متكدسة في تحركاتها العفوية بين أمواج الصحراء، ليستجيب بقلبه وروحه، لمناداة الطبيعة، وسؤال الحضارة، من أعلى سماء مدينة دبي.

في أوج انشغالاته برسم المعجزة، لاحظ سموّه «خبث الحديد»، واستنبط من اتجاه الكثبان أن للركن الجنوبي الشرقي من صحراء الربع الخالي في الجزيرة العربية، وتحديداً في جنوب مدينة دبي، بمسافة 70 كم، وعن منطقة الفقع بمسافة 40 كم تقريبا، وبمساحة حدودية تُقدر بـ 6.2 كليو متر مربع، عالماً لم يُكتشف بعد، ليَطلق سحر شغفه ورغبته الصادقة في البناء المعرفي والثقافي، ويبدأ التنقيب الحضاري، لموقع يمثل أغنى المواقع الأثرية في الجزيرة العربية، بحسب الباحثين الآثاريين، وهو موقع «ساروق الحديد»، حدث ذلك العام 2002، برؤية وعناية ثاقبة لصاحب السمو حاكم دبي، ضمن إحدى جولاته الجوية بالطائرة المروحية، لتبدأ مساعيه الدائمة في تحويل الحُلم إلى رؤى، مستكملاً حدس الإنسان اليقظ في إدراكه سِحر حياة الصحراء وسرها!

«ساروق الحديد»، يحمل مدلولاً حضارياً مهماً، ويرسم توجهاً وتحركاً استراتيجياً، حول آليات بناء تكوين المحتوى الثقافي للمكتشفات التاريخية ودورها في تتويج الهدف الأسمى لتحقيق التواصل الإنساني العالمي بين الحضارات؛ فبعد سنوات من التنقيب المستمر في الموقع، وصل عدد المكتشفات إلى نحو 13 ألف و500 قطعة أثرية، بمعدل 1000 إلى 1500 قطعة مكتشفة، سنوياً، تم تسجيلها وتوثيقها في المراجع الرسمية لإدارة التراث العمراني والآثار في بلدية دبي، وشاهدها بشكل مباشر المهتمون والباحثون والزوار، في متحف «ساروق الحديد»، في حي الشندغة التاريخي، حيث تم اختيار منزل الشيخ جمعة آل مكتوم المشيد العام 1928م، ليكون مقراً للمتحف، الذي افتتح في يوليو الحالي، برعاية وحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ضمن المشروع المتكامل لرؤية سموه لتحويل منطقة الشندغة التاريخية، إلى أكبر متحف مفتوح، يتضمن حوالي 50 متحفاً، حيث انطلقت عجلة التنافس لاختيار أفضل التصاميم، المعدة للمتاحف، المتوقع إنجازها نهاية العام 2018 وبداية 2019، بالتوازي مع الظاهرة التنموية الأهم: إكسبو 2020، وتستهدف المتاحف بيان الطبيعة المحلية وتنوعها في البيئة البحرية والصحراوية والجبلية.

الحالة الملغزة والغموض المدهش حول مكتشفات موقع ساروق الحديد، تقود شغف البحث إلى متاهات من المعرفة المتعددة، غير المنفصلة عن أهم المواقع الأثرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، من موقع أم النار في العاصمة أبوظبي، إلى موقع مليحة في إمارة الشارقة، مروراً بموقع الدور في إمارة أم القيوين، ووصولاً إلى موقع شمل التاريخي في إمارة رأس الخيمة. والساحر في جولة رحلة الاكتشاف الأثري في موقع ساروق الحديد، هو النقلة الجذرية لمكنونات الصحراء، وإطلاق المخيلة لأعماق دفينة، تتضمن تجسيداً كلياً للتنوع البشري والحيواني والنباتي والعقائدي والصناعي، ما يؤكد أبعاد الإرث الإنساني للمنطقة المحلية، وأسرار انفتاحها، منذ آلاف السنين، فموقع ساروق الحديد، لا يقدم جملةً من الغزارة المادية على مستوى التصنيع الأثري، و إنما يرجح من جديد، كفة القبول المذهل لتطور الحياة البشرية، وعفوية التبادل الطبيعي بين مكونات الطبيعة نفسها، فتحت تلك الرمال الكثيفة الضخمة المتجلية، حياة واسعة، مليئة بنظريات الماء والشجر.

حتى الآن؛ لم تكتشف المقابر، في الموقع، باعتبارها أهم مُكتشف في علم الآثار، ومن المعروف أن الطبقة العليا من مقابر القصيص ترجع إلى العصر الحديدي، ولكن مقبرة القصيص بعيدة جداً عن الموقع، لذلك ربطها بساروق الحديد ليس وارداً حالياً. وجّل ما يعيشه الآثاريون وفرق الإنتاج البحثي للموقع، هو حركتهم الخفيفة والرقيقة باحترافية تامة لمواجهة أمواج الرمل، وحصدهم لتنبؤات جديدة، ومن جهة أخرى فإن رمال موقع ساروق الحديد تزحف يومياً بشكل لا إرادي، وتزيح مزيداً من وجوه القطع الأثرية، معلنةً استسلامها التام للانكشاف، ولكنها لم تجب تماماً عن تلك التساؤلات الجوهرية حتى هذه اللحظة: من هم أناس (شعب) ساروق الحديد؟ ماذا كانوا يعبدون؟ ما هي ملامح ألبستهم؟ كيف كانوا يعيشون؟ ما هي أشكال بيوتهم؟ هل لديهم أغانٍ خاصة؟ أشكال الفرح والمعاناة، كيف كانت تبدو؟ الحياة الاجتماعية والتجارية والاقتصادية، يا تُرى، على ماذا تأسست؟ هل كانت هناك أشجار وينابيع من الماء العذب في جوف هذه الصحراء؟ التصنيع.. يشكل ذروة حالة المكتشفات في ساروق الحديد، هل هي مدينة صناعية؟، فهناك أفران ومناطق لصنع الفحم واستخراجه. يتفق المجتمع البحثي أن معدل الـ 5 % إلى 10 % من نسبة المساحة المكتشفة لا تفي غرض الإجابة الكلية، ونحتاج إلى وقت وتأني أكثر كمتابعين ومهتمين للثقافة الحضارية، وما سيحدث طوال رحلة الكشف هو الاستثمار وبشكل متناه وساحر للموقع الأثري في بناء مئات «النظريات العلمية»، وهنا تكمن المتعة المعرفية.

ثراء هائل ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف