• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

خبز وورد

أجملهم الذين رحلوا

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 19 أبريل 2014

مريم جمعة فرج

أجمل ما في الإنسان ما يتركه من أثر. ومن أجمل الآثار تلك التي تظل غائبة عن الأعين، حتى إذا كشف عنها أصبحت حلقة وصل في سلسلة من الحقائق غير المدركة عن حياة صاحبها. وهكذا هي آثار أجمل الراحلين عن هذا العالم من المبدعين. رحل الكاتب المسرحي والروائي والشاعر والناقد الايرلندي «صامويل بيكيت» عن الحياة قبل خمس وعشرين سنة، لتفاجئنا قصته «عظام الصدى» التي كتبها قبل نحو ثمانين عاما، بالمفتاح الذي يشير إلى اللحظة التي أصبح يقف فيها على مفترق طرق، ربما لو تمعنت في هذه الطرق لرأيته يقود عربة إبداعه في اتجاه آخر لم يسبق أن عرفه آخرون ليكتشف هناك العبثية. ورحل الأديب العربي الكبير «نجيب محفوظ» قبل ثمانية أعوام من الآن لتظل قصصه القصيرة التي لم ينشر منها الكثير مفتاحا يشير إلى مفترق طرق في حياته الإبداعية. فبعد أن كنا نعرفه من خلال أعماله التاريخية والواقعية ونعرف شيئا عن واقعيته الرمزية، فاجأنا في أعماله الأخيرة، بشاعريته وفلسفته القريبة من الصوفية، في«أحلام فترة النقاهة».

كتب بيكيت قصته في مرحلة الشباب في بدايات حياته الإبداعية. وكان يعتقد أنه وضع فيها كل ما لديه. ثم أصيب بخيبة أمل كبيرة بعدما رفضها الناشر باعتبارها نشازا لا ينسجم مع ما نشره قبلها من قصص لتضم إليها في مجموعة واحدة. وفي إحدى مراسلاته مع صديق يقول «إن الرفض القاسي الذي قوبل به العمل الذي وضع فيه عصارة فكره.. جعله يشعر في أعماقه بالإحباط». أما الناشر فقد هاله ما امتلأت به القصة من أشياء لا توجد إلا في القصص المثيرة للاشمئزاز، وكان من الأجدر به أن يكتب قصة تنسجم مع المزاج العام للنشر. ومنذ ذلك الحين أبقاها الكاتب كعادته مع الأعمال المرفوضة، مركونة على الرف إلى أن جاء خبر نشرها في شهر أبريل الحالي 2014، لتصدر التجربة التي ربما رسم من خلالها صورته كرائد للعبثية، التي عززتها بالفعل مسرحيته «بانتظار جودو» والتي استطاع من خلال عرضها حتى في أماكن غير معهودة كالسجون، أن يدلل على أن هذه الكآبة والتشاؤم ومشاعر الخواء التي تلازمنا، والقلق حول وضع الإنسان المعاصر، كلها تعبر عنها شخوص مرعبة، مهمشة، تعاني من الوحدة وتنتظر الفرج من جودو الذي لا يأتي في الحقيقة. هل كانت عظام الصدى بمثابة الجسر الذي عبر من خلاله بيكيت إلى بقية أعماله المؤسسة في غالبيتها لمدرسة العبثية في الأدب، ولذلك فقد حزن عليها مقدما؟

ومن جهته، كتب محفوظ أحلام فترة النقاهة في مرحلة متقدمة من العمر. وكان يعاني من صعوبة في الكتابة بسبب ما نعرفه من تعرضه لمحاولة اغتيال. وفي تلك الظروف جادت علينا موهبته الإبداعية بما هو أكثر مما نعرفه عنه. وأضافت إلى رصيدنا الأدبي الكثير والكثير عن جماليات محفوظ وشاعريته وموهبة المبدع في التنبؤ بالآتي. يقول في إحدى ما أسماه قصصا قصيرة جدا وهو أيضا أحد الأحلام «رأيتني أشاهد دورية من الجنود الأجانب فضربتها بحجر وصعدت إلى السطح وعبرت إلى سطح الجيران وهبطت السلم لأهرب من باب البيت فوجدته مسدودا بجنود شاهرين السلاح». حقيقة، إن أجملهم أولئك الذين رحلوا.

m_juma@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا