• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

البيوت أسرار

أفراح حزينة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 18 أبريل 2014

كنت أصغر أخواتي وإخوتي الأربعة، صاحبة حظوة عند أبي، وأشعر بأنه يحبني، وإن كان لا يكره إخوتي، أتذكر أنني كنت أرتمي في أحضانه، عندما يستيقظ من نومه في الصباح، وانتظره حتى ينتهي من استبدال ملابسه أنظف له حذاءه، واختار له جوربا في الغالب لا يكون ملائما لملابسه، وعندما أصر على اختياري يتنازل، ويختار ملابس أخرى مناسبة للجوارب، أهرول إلى منضدة الطعام اتخذ مقعدا بجواره، أقلده في طريقة تناوله للطعام، افعل مثله تماما، كلما تناول خبزا، أو جبنا أو بيضا فعلت كما يفعل، لا أستطيع أن أسايره فأطالبه بالتمهل والتوقف عن الطعام حتى لا يفوتني شيء ما يتناوله، قد يتعجل وينهض كي يتوجه إلى عمله، فأعلن غضبي، لكن في كل الأحوال، أقف عند باب الشقة انتظره بعدما ينتهي من مراجعة ملابسه، وتمشيط شعره، والتأكد من أناقته التي كان يحرص عليها بشدة.

مدللة العائلة

آخر شيء يفعله قبل خروجه مباشرة هو طبع عدة قبلات على وجهي ورأسي، وأنا متعلقة في رقبته، لا أريد أن ينهي هذا المشهد، حتى يضعني برفق على الأرض، لا يفوتني أن أصدر أوامري له بألا يتأخر، وكذلك أن يحضر ما طلبته منه في المساء، وهو في الغالب بعض الشوكولاتة وحلوى الأطفال التي يعرف أنني احبها، أتابعه، وهو يضع قدمه في المصعد ويغلق الباب، أعود إلى النافذة لألوح له بيدي، وهو يستقل سيارته، وينطلق ولا ادخل حتى يغيب عن ناظري تماما.

وفي الظهيرة يجدني خلف الباب، إما أن اختبئ منه لأفاجئه صارخة في وجهه كي أخيفه، أو عندما يحاول أن يدخل مفتاحه في الباب يجده يفتح فجأة، وأنا أمامه أعيد مشهد العناق الصباحي، أعاتبه بشدة على تأخره حتى لو لم يتأخر، يطلب مني كوب ماء بارد، وقد اعتدت ذلك فيما بعد، آتيه بالماء قبل أن يطلبه، يبتسم ابتسامة رقيقة تعني الثناء على تصرفي لأنني فهمت احتياجاته، أحمل حذاءه وملابسه أضع كلا منها في مكانه، تكون أمي في هذا الوقت قد قاربت على الانتهاء من إعداد طعام الغداء، لا يجرؤ أحد من إخوتي على أن يجلس في المقعد الذي بين أبي وأمي حتى أمي نفسها يجب أن تفسح لي هذا المكان، في حال اختلاف أدوات المائدة، امسك بملعقتين وسكينين وشوكتين كلها متشابهة، أعطيه واحدة من كل منها، لكي اكون مثله، يضحك إخوتي وأمي مما أفعل، وقد يتندرون عليه وينتقدونه في محاولة لإثنائي عن تصرفاتي هذه، لكنهم لم يستطيعوا، واستمرت كما هي لسنوات طوال.

لا ينقصني مكر الصغار، بعد أن شعرت باستحسان أبي لما أقوم به معه، وحبه لي، لذا فلا بد من أن أستغل ذلك، عندما كنت أريد شيئا، اصنع مقدمة توحي بأنني أقدر حاجته وظروفه، يعني لا أفرض عليه مطالبي، فكان يستجيب على الفور، على عكس إخوتي الذين كانوا لا يجيدون فن التعامل معه، فتكون مطالبهم أحيانا صادمة، لأنها تأتي في الوقت غير المناسب، مثل أن يحتاجوا إلى شيء غير عاجل في نهاية الشهر وتكون ميزانية البيت في النزع الأخير، فيكون من الطبيعي عدم الاستجابة لما يريدون، أو في أحسن الأحوال، يلبي بعضه ويؤجل بعضه الآخر إلى حين ميسرة، حتى أمي كانت تقع في نفس الخطأ، لا تعرف متى تطلب ومتى تسكت، وكثيرا ما كان أبي يلومها وأحيانا يعنفها على أسلوبها باعتبار أنها تعرف ما معه من مال، ويكون مطلبها فوق الاحتمال، وقد يلفت انتباهها لذلك بأن تتحين الوقت الذي تطلب فيه شيئا، ولو كان ضروريا للبيت.

تغير الأحوال ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا