• الأحد 02 صفر 1439هـ - 22 أكتوبر 2017م

قراءة في لوحة للفنان ناصر الأسودي

«التســـامح 2».. فعل النور في الظلام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 09 يونيو 2017

نوف الموسى (دبي)

متى نشأ «التسامح»؟ وبعمق أدق: متى تولدت القدرة على القبول رغم الاختلاف؟ بعيداً عن الأطروحة غير المباشرة، كيف يمكن تعريف «التسامح»، وهل يمكن إثباته من دون صراع؟ تلك الأسئلة تدفقت عبرة الحضرة المتفردة في لوحة الخط العربي للخطاط اليمني ناصر الأسودي، بعنوان «التسامح2». يجسد عبر التماهي البصري الحركة المهيبة في اللوحة، خاصةً حرف «السين» و«الميم»، ففي جل الصراع تتشكل خطوط التسامح كاستجابة طبيعية، ربما قد يراها البعض خطوطاً عشوائية، بينما يستنبط آخرون مسارات جمالية في الصراع الإنساني الذاتي.

بطبيعة الحال: لماذا نسعى لنيل التسامح دون صراع، ما قيمته كمفهوم في ظل انعدام الصراع، لذلك فإن التشكل الفكري لمنهج التسامح يتبلور من رحم خوض معترك الحوار، والمرور نحو الصراع يظل عملاً نسبياً وفق بنية المجتمعات ومستوى إدراكها لحريتها المسؤولة، فالوعي الإنساني يمهد للحوار باتزان وانسجام عالٍ، يصل بالفرد إلى قبول نفسه والآخرين رغم الاختلاف، أما انخفاض مستوى الوعي والجهل بالذات يفصل بالأفراد إلى الانضمام إلى خانة «الصراع»، ومن هنا تتشكل مسألة الحاجة إلى ما يسمى بـ«التسامح». ما أقدم عليه ناصر الأسودي أثرى قراءة سمة التعبير الروحي للخطاطين، وتحويل الحرف إلى منظومة فكرية، تمتلك آلية إحداث الحوار الفني.

الخلفية السوداء، والخطوط البيضاء في اللوحة، جاءت كفعل النور في الظلام، وفوضى الصراع فيها، كأنها ترسم شجرة للتسامح، تفتح طريقاً جديداً لا يُرى، يوحي لك بقصيدة «مقهى، وأنت مع الجريدة» للشاعر الراحل محمود درويش، فيها قال: «ومن خلف الزجاج، تَرى المشاة ولا تُرى، إحدى صفات الغيب تلك.. تَرى ولا تُرى»، إذاً متى ما اتحد الإنسان بطبيعته وفهم ذاته، ستتكشف كينونته كالشمس في وضوحها، وتتراءى له غايته الأسمى في الحياة، عبر مسارات متعددة، وفرصة متجلية، ومدى إمكانية ذلك مرتبط عادةً بالقدرة المتناهية على القبول. ولوحة «التسامح2» لناصر الأسودي، تطرح محاور عدة للمتلقي، تناقش معه أبعاد التسامح في عمق الصراعات الشائكة، ومنها يتوصل المتلقي إلى استشفاف عدم حاجة المجتمعات لتعليم «التسامح»، إذا استطعت خلق بيئات تؤمن اكتشاف الفرد لنفسه، والتي قد يعكسها الآخرون في ثقافات أخرى ومواقف مختلفة، ما ينتج عنه قبول واعٍ واحترام للمسؤولية الفردية.

من بين أهم الإسقاطات الغنية في منجز الخط العربي، أثر حركة الحرف في اللوحة، فشكل الحرف سواء على مستوى اختيار نوعية الخط أو حجمه أو فلسفته أو حتى مستوى انحناء الحرف أو عرضه أو سكونه أو امتداده على طول اللوحة، إنما تؤكد نبرة صوت الحرف ورسالته الضمنية. والتراكم البصري للوحات الخطوط العربية، التي يقدمها الخطاط ناصر الأسودي، تسهم في إشراك الحياة المجتمعية باللغة الفنية الثرية، وتقريبها في بحثها الذاتي عن الجمال، بكل تعقيداته.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا