• الجمعة 30 محرم 1439هـ - 20 أكتوبر 2017م

رائعة الكولومبي «غابرييل غارثيا ماركيز»

«مائة عام من العزلة».. عطش إلى معين الحياة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 09 يونيو 2017

محمد عبد السميع (الشارقة)

استطاع الروائي الكولومبي الشهير «غابرييل غارثيا ماركيز» في واحدة من أهم رواياته (مائة عام من العزلة) أن يصور البشاعة بأجمل حللها، وقد صنفت الرواية كإحدى أبرز الروايات العالمية المعاصرة، وكتبها الكولومبي ماركيز بلغته الإسبانية الأم عام 1967، وترجمت بعدها إلى أكثر من ثلاثين لغة بما فيها العربية، فكانت البوابة السحرية التي عبر من خلالها ماركيز إلى جائزة نوبل عام 1982، مستوحياً أحداثها وشخوصها من قلب قارته اللاتينية، فلم يجنح إلى سرد عوالم بعيدة عن نمط حياته وانشغالاتها، وإنما غاص في أعماق بيئته الفقيرة مخرجاً منها أعذب الحكايات وأروع الأساطير.

خرجت رواية «مائة عام من العزلة» منذ البداية عن كل إطار تقليدي، سواء من حيث المواضيع أو البنية الفنية والصور الجمالية، فاعتمد الكاتب بناءً غير عادى لم يلتفت إليه أحد من قبل، متخطياً به إطار الزمان والمكان، قاصداً الجمع فيها بين المتناقضات، فالرواية تختزن بين جنباتها رياح الحرب وروح السلم والتخلف والتقدم والشخصي والعام والأسطوري والواقعي، من دون أن يكون هناك بطل رئيسي، وقد أجاد ماركيز وسط هذا الزخم في تحريك الأحداث وشخوصها في أمكنة غير محددة المعالم، فلم يلتزم بقوالب السرد التقليدية، مطلقاً لمخيلته العنان، معبراً عن حال الإنسان وصوره إذا امتزجت روحه بالاغتراب وانجرفت إلى العزلة والانسلاب.

انفرد ماركيز بوضع صورة أدبية أشبه بلوحة فنية تشابكت فيها كل الخطوط وامتزجت ألوانها ما بين الدراما والملهاة، فجاءت البنية الفنية بأسلوب تصويري أخاذ.

لم يخرج ماركيز بعبقريته المتفردة في رواية «مائة عام من العزلة» عن دائرة الواقعية، وإنما مزجها بالأسطورة، فالروح البطولية والإيمان بقومية الشعوب والانحياز للحفاظ على الهوية من دون تجريف ظل واضحاً طوال أحداث الرواية في زمن كان الفكر الاشتراكي يدغدغ الحس البشري لكل من عانى وطأة الاستعمار، وجاءت رائعة ماركيز محاولة تفسير التاريخ الحقيقي لأميركا اللاتينية.

أما الحب الذي عصف بقلبي «أوريليانو» و«أورسولا» في الرواية، فهو صورة لتعطش هذا العالم المنعزل نحو الاغتراف من معين الحياة. وما كان هطول الأمطار وهبوب الرياح لسنوات، والنهاية المأساوية لكل أفراد بلدة «ماكوندو» إلا صرخة أطلقها ماركيز إلى الفضاء لتعبر عن رغبته في الخروج من العزلة المحكومة بسقف الخرافة والوهم، والانفتاح إلى عالم تسوده الرؤى المتنوعة والتجارب العقلانية والانفعالات التحررية لم يقصد بها كولومبيا فحسب، وإنما تخطاها ليسمع صداها العالم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا