• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

«في فمي لؤلؤة» لميسون صقر

رواية من لحم ودم الغواصين وأحلامهم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 24 يوليو 2016

إيمان محمد (أبوظبي)

لا تجيد ميسون صقر القاسمي نبش وإعادة إحياء شخوص الماضي فقط في روايتها الجديدة «في فمي لؤلؤة»، بل تمنح وجوه الغواصين السمراء المكدودة في صور الأبيض والأسود حياة كاملة من لحم ودم وأحلام، وتتبع أنفاسهم المتقطعة تحت الماء بحثاً عن لؤلؤ تلبسه نساء أخريات وليس نساءهم.

في روايتها الثانية الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية تطارد الشاعرة الإماراتية جذور الأساطير المرتبطة بمهنة الغوص على اللؤلؤ، والتي ازدهرت في الإمارات والخليج في ثلاثينيات القرن الماضي، وانهارت مع ظهور اللؤلؤ الياباني الصناعي لتندثر تقاليدها وذاكرتها كاملة مع ظهور النفط وتسارع أسلوب الحياة الحديثة.

تبتكر ميسون أساطير خاصة بها عبر شخصيات تنسجها بأسلوب يقترب من الواقعية السحرية، باستدعائها مثلاً طيف الغواص «مرهون» إلى الزمن المعاصر، وحواره مع بطلة الرواية «شمسة» التي تتحدى التقاليد الأكاديمية لتجري بحثاً علمياً عن غواصين حقيقيين بدل الاكتفاء ببحث مقتضب عن الحياة القديمة، بينما تظهر جانباً مختلفاً وغير مقولب لنساء الزمن القديم من خلال شخصية «آمنة»، زوجة أحد الغواصين التي تهرب على متن سفينة إنجليزية، وتخلق لها حياة مختلفة في الهند وتصبح لها تجارة قوية مع بلادها دون أن يعرف أحد هويتها.

وقد يكون هناك نوع من الغرابة في شخصية «كاترين» الإنجليزية التي تخفي أنوثتها لتصبح قبطان السفينة العسكرية التي تقل «آمنة» حيث كانت المرأتان تعرفان إحداهما الأخرى في الطفولة، فـ«كاترين» نشأت في البلاد مع والدها العسكري الإنجليزي وأمها غير السعيدة في زواجها. وتخلق المؤلفة روابط بين العائلة الإنجليزية المفككة، وبين سفينة غوص وسط الخليج من خلال شخصية «وليم» الإنجليزي المغرم بالأم، والذي يرافق الغواصين ليسجل تفاصيل الرحلة في تقارير يرسلها إلى المعتمد البريطاني ورسائل أخرى شخصية إلى صديقه، وتعثر «شمسة» على هذه الرسائل المشربة بالملح في مركز للوثائق، حيث طمس منها الكثير من الأجزاء بينما يكمل طيف «مرهون» سرد العديد من الوقائع لشمسة.

وتذهب صقر في عمق معاناة حياة الغوص بتتبعها خط سير سفينة النوخذة «أبوحمد» القاسي وإجباره الغواصين على العمل في ظروف صعبة، لكنه يصاب بنوع من اللوثة عندما يعثر «مرهون» على اللؤلؤة الملعونة، وهي إحدى الأساطير الغامضة في عالم اللؤلؤ، فيقتل أحد الغاصة لأنه مازحه بإخفاء اللؤلؤة، ويصاب الجميع بحمى البحث عنها ومحاولة الاستيلاء عليها، فتنتهي الرحلة بتمرد الغواصين وإصابة النوخذة بالشلل ورجوع السفينة إلى المدينة حيث تقع عليها غارة من بعض القبائل وينهمك الجميع في رد الهجوم. وتضفي المؤلفة المزيد من السحرية على القصة من خلال عقد اللؤلؤ المتوارث في عائلة شمسة، والذي تفضل أمها لبسه في المناسبات فقط لأنه مرتبط «بتاريخ من الوجيعة» كما تقول جدتها، وتكتشف لاحقاً أنه عقد له تاريخ ومسجل من نوادر المجوهرات المفقودة، غير أنها لا تفصح كيف وصل إلى الجدة.

تعد رواية «في فمي لؤلؤة» الثانية لصقر بعد رواية «ريحانة» الصادرة في التسعينيات، بمثابة سفر لحياة الغواصين والحكايات المرتبطة بهم، فقد أمضت المؤلفة 7 سنوات للبحث في تاريخ المنطقة وغوامض عالم اللؤلؤ في الحضارات المختلفة لتذيل الهوامش والفصول بالعديد من التفاصيل، وتضيف إلى رصيد الرواية الإماراتية نصاً ينبض بهوية الأرض ورائحة ناسها.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا