• الأحد 02 صفر 1439هـ - 22 أكتوبر 2017م

الكتاب الإشكالي لـ«طه حسين»

«في الشعر الجاهلي».. حجر ثقيل في مياه راكدة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 يونيو 2017

إيهاب الملاح (القاهرة)

لم يثر كتاب في تاريخ الثقافة العربية الحديثة ما أثاره كتاب «في الشعر الجاهلي» الذي أصدره طه حسين في مارس عام 1926، قامت الدنيا ولم تقعد بسبب هذا الكتاب، وتم الزج بالديني والسياسي في التفسيرات التي قدمت له، واندلع طوفان من الهجوم الدعائي الجارف ضد طه حسين، وحملة غير مسبوقة على الكتاب وصاحبه لم ينلهما كتاب مثله في تاريخ الفكر العربي الحديث حتى يومنا هذا.

واقترنت حملات التشكيك بالذمة العلمية، بحملات التشكيك في سلامة العقيدة، وانهالت حملات التكفير التي اختلطت بدوافع سياسية ونوازع اجتماعية غير بريئة، وصدر في الرد على الكتاب كتبٌ لا عدّ لها ولا حصر، أكثرها لا قيمة له انصب فيه الهجوم على شخص طه حسين والإساءة إليه ومعايرته بعاهته، وأقلّها انصب على الأفكار التي ناقشها وفكرة المنهج التي طرحها.

لكن في النهاية انقشعت هذه الغيوم مخلفة آثارها، وتبقّى من هذا الكتاب الحجر الضخم الذي ألقاه في مياه الفكر الراكدة، وفتح الباب على مصراعيه لاستيعاب فكرة «المنهج» بمعناها الفلسفي والمعرفي في الدراسات الإنسانية، والتأكيد على الحق في طرح السؤال، أي سؤال، ومراجعة الأفكار أياً ما كانت.

وعلى كثرة ما صدر من طبعات من هذا الكتاب بسبب تعرض صاحبه، أولاً، للمساءلة أمام النيابة والتشهير به على صفحات الجرائد آنذاك، وصولاً إلى اتهامه بالكفر والمروق من الدين، وبسبب، ثانياً، مصادرة طبعاته ومنع ظهوره لسنوات طويلة حتى لم يعد في الإمكان مصادرته أو منعه، بعدما تحول العالم إلى قرية صغيرة وبات تداول المعلومات كالماء والهواء، فإن الطبعة التي أصدرتها مكتبة الأسرة المصرية تكتسب قيمة خاصة وأهمية تاريخية، لعدة أسباب:

أولاً: أن هذه الطبعة جاءت مصورة عن الطبعة الأولى التي صدرت عام 1926، وبالتالي فهي تحتفظ بالنص في صورته الأولى التي نشرها طه حسين، وأراد أن يكون الكتاب بفصوله ومحتواه على هذه الهيئة قبل تعرضه للمنع والمصادرة.

ثانياً: جاءت هذه الطبعة مزودة بالمقدمة القيمة التي كتبها تلميذ طه حسين الناقد والأكاديمي الراحل د. عبد المنعم تليمة، وهي دراسة عميقة بعنوان «مدخل إلى قراءة الشعر الجاهلي»، وقراءة عميقة ورصينة للكتاب وتقدم تحليلاً وافياً لأطروحاته والنظريات التي استند عليها.

ثالثاً: ذيلت هذه الطبعة بدراسة أخرى كتبها تلميذ آخر «غير مباشر» من تلاميذ طه حسين، هو الناقد والأكاديمي د. جابر عصفور وزير الثقافة المصري الأسبق، وصاحب الاهتمام الخاص والكبير بتراث العميد، والذي خصص له واحداً من أهم كتبه وأكثرها عمقاً ومقاربة لمنجز طه حسين النقدي، كتاب «المرايا المتجاورة دراسة في نقد طه حسين».

«عدم التسليم والإذعان بأي مقولات سابقة» هي جوهر الفكرة التي فصّل القولَ فيها كتابُ «في الشعر الجاهلي»، لكن، وكما سبقت الإشارة، فإن أهم ما أحدثه هذا الكتاب في تاريخ الثقافة العربية، هو تأصيل فكرة المنهج في البحث العلمي، وعدم الوقوف عند سابق الآراء المتناقلة والمتوارثة في أي شأن من شؤون الحياة، وعلى رأسها الفكر والثقافة والدرس الأدبي.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا