• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

أصل اللغات وفصلها في متحف باريسي

ذاكرة اللسان...

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 أبريل 2014

معروفٌ هو الاهتمام الذي أولاه محيي الدين بن عربيّ للّغة في فتوحاته المكّيّة ومجمل رسائله، وما كتبه عن الحروف التي كان يعدّ علمها من أشرف العلوم، هو القائل إنّ “الحروف أمّة من الأمم”. معروفة أيضاً مقولة الشاعر الألمانيّ هولدرلين: “اللغّة خاصّة الإنسان”، بمعنى خيره الأهمّ وقنْيته الكبرى، مقولة يضفي فيها تشخيصاً أكبر على تعريف قدامى الفلاسفة للإنسان بأنّه “حيوان ناطق”، جاعلين بذلك من اللّسان وما يرتبط به ويمرّ من خلاله من فكرٍ وذكاءٍ ومشاعرَ سَمة تعريف الكائن البشريّ الأُولى ومميّزه الأكبر.

كاظم جهاد

من هنا فإنّه لمسرّ جدّاً وشديد الحفز أن يلفي المرء نفسه في متحف مخصّص لعالم اللّغات وحده. إذِ افتُتح منذ شهور بباريس متحف فريد في نوعه بدأ في الآونة الأخيرة يجتذب أعداداً متزايدة من الزوّار ويستقطب اهتمام المشتغلين في مجال الفكر اللغويّ وفي تعليم اللّغات، بالإضافة إلى طلبة المدارس والجامعات. بالرّغم من احتوائه على عناصر تشكيليّة وأدوات فنيّة متنوّعة، لا يقدّم المتحف لزائريه لوحات ولا تماثيل بل إنّ كلّ ما فيه مسخّر لإيضاح اشتغال شيء أساسيّ، من أجله قام المعرض وفيه يجد اختصاصه: اللّغة بما هي أداة أثيرة للإنسان.

يحمل المتحف اسم (موندولينجوا ــ Mundolingua)، وهي كلمة لاتينيّة مركّبة تتألّف من مفردتين كلتاهما حاضرتان في اللّغات الأوربية الحيّة: “موندو” وتعني “العالَم” و”لينغوا” وتعني “اللّغات”: فهو متحف يقدّم لزائريه جولة فكريّة وعيانيّة موثّقة عبر “لغات العالَم”، وفي الأوان ذاته عبر عالَم اللّغة بعامّة، أي اللّسان بما هو جهازٌ أو كونٌ تواصليّ.

يقع المتحف في قلب العاصمة الفرنسيّة، في المبنى الحامل رقم عشرة في شارع (سيرفاندوني ــ Servandoni)، في الدائرة الخامسة من باريس، غير بعيد عن حديقة لوكسمبورج الشهيرة، وعلى مرمى عصاً من مجلس الشيوخ. وتشاء الصدفة أن يكون هذا الشارع الصغير هو ذاته الذي أمضى فيه المفكّر والناقد الفرنسيّ الشهير رولان بارت العشرين سنة الأخيرة من حياته، ومن المعروف أنّ التفكير باللّغة، خصوصاً بما يفعله الأدب باللّغة، كان يشكّل أحد المحاور الرئيسة في تفكيره.

تأسّس المتحف بمبادرة من عالِم لغويّ شابّ من نيوزيلندة اسمه (مارك أورملاند ــ Mark Oremland)، وصل إلى فرنسا في 1994 حيث درسَ الألسنيّات في جامعة السوربون الخامسة – رينيه ديكارت. وفور حصوله على شهادة الماجستير في هذا الميدان قرّر أن يعبّر عن حبّه لعالَم اللّغات والدراسات اللغوية بتكريسه لها فضاءً يكون نوعاً من برج عاجيّ مفتوح للجميع. وبعد سنوات من التخطيط والتشاور، صار حلمه واقعاً استعان لتحقيقه بعشّاق للّغات آخرين. هكذا عوّل لتهيئة محتويات المتحف ومعرضه الدّائم على العديد من علماء الألسنيّات وطلبتها، ومن مهندسي المعلوماتيّة. أمّا تصميم القاعات وتهيئة أثاثها المستقبِل لمحتويات المتحف واجتراح أجواء تزجّ بالزائر في عالم اللّغات المتنوّع والسّاحر، فقد حظي هذا كلّه بالمساهمة الفعّالة والمبدعة لجوقة من الفنّانين والنجّارين ومهندسي الديكور ومصّممي قاعات عرض. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف