• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

كلمة «مأساة» مشتقة بطريقة غامضة من كلمة يونانية تعني «أغنية العنز». وربما واجه معظمنا على الأرجح المصطلح عند دراسة مسرح شكسبير

الوحدة في وجه الخطر: وصف الإرهاب بلفظ «المأساة»

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 23 يوليو 2016

ستيفن إل. كارتر*

كانت مداهمة أفراد الشرطة في «باتون روج» ودالاس لا تزال أخباراً عاجلة حين امتلأ حسابي على تويتر بالغضب، وبانتقاد الناس الشديد لوسائل الإعلام لأنها وصفت ما حدث بأنه «مأساة»! والشيء نفسه حدث بعد أهوال مدينة نيس وبعد مذبحة أورلاندو. وتأثير كلمة «مأساة»، بحسب ما يقال لنا، أصبح ضعيفاً بسبب الإفراط في استخدامها. وقد أصبحت الكلمة مبتذلة وأصغر من أن تحيط بحجم خسارتنا. وقد أثير في الجدل على تويتر أنه من الأفضل أن نقول «هجوم» أو «قتل». وأشارت الانتقادات إلى أن كلمة «مأساة» يجب أن تخصص للأحداث الرهيبة التي لا تنطوي على ضغينة. فسقوط جسر يمثل مأساة وحدوث تسونامي يمثل مأساة. والوفيات الناتجة عن كوارث طبيعية تمثل مأساة. وهي، لها غير مدبرة أو مقصودة.

ولكن هذا الجدل يتصل بالتعريف. ومثل غيري فقد شعرت بالأسى لضحايا هذه الأعمال الآثمة. وفي الوقت نفسه، تدفعني خبرتي في اللغة إلى أن أرد على الانتقاد. فكلمة «مأساة» هي المصطلح الدقيق تماماً لوصف كل هذه الحوادث. وإن كان معنى الكلمة قد ضعف بسبب الإفراط في الاستخدام فيما يبدو فإن هذا بسبب العصر، وليس بسبب عدم الكفاية في اللغة. وكلمة «مأساة» مشتقة بطريقة غامضة من كلمة يونانية تعني «أغنية العنز». وربما واجه معظمنا على الأرجح المصطلح حين أخبرنا المعلم في الصف السابع أو الثامن الدراسي بأن مسرحيات الملهاة لشكسبير يتزوج في نهايتها الجميع، وفي مآسي شكسبير يموت الجميع أيضاً في النهاية. ثم في المدرسة العليا، أو ربما في بداية التعليم الجامعي تعرفنا على المسرح اليوناني الكلاسيكي وتعلمنا أن المأساة تحدث حين يصبح الرجال والسيدات العظماء متغطرسين للغاية ويتعين أن تسقطهم الآلهة!

وأنا أذكر كل هذا لأنني أشتبه في أن إحدى المشكلات التي تواجهنا عادة فيما يتعلق بالكلمة هو ارتباطها بتحليل أكاديمي مهلهل وربما تجريدي. وفي مقال يدافع عن المسرح ضد المنتقدين الذين يعتبرونه تافهاً، جادل سير والتر سكوت قائلاً إن الأمم تحتاج مسرحاً مأساوياً. وكتب أن المأساة تقوم على «الفضول القوي الغريزي والتعاطفي الذي يغري الرجال بأن ينظروا إلى صدور أقرانهم من المخلوقات الأخرى ويبحثوا عن كروب وعواطف الآخرين التي تمثل العناصر الموازية لمشاعرهم». وهذا الفضول المتعاطف يقودنا في المقابل إلى غرس الفضائل المقبولة اجتماعياً!

وعلى امتداد فترة مديدة من القرن التاسع عشر ظلت كلمة «مأساة» ترتبط غالباً بالمسرح. وفي عام 1849 على سبيل المثال وصفت مجلة «بانش» الساخرة مجاعة البطاطا -في إيرلندا- بأنها «مأساة قومية». وفي العام نفسه اختار أكثر من صحفي كلمة «مأساة» في الكتابة عن أعمال شغب اندلعت في نيويورك وقتل فيها أكثر من 20 شخصاً. وحين اغتيل الرئيس أبراهام لينوكولن عام 1865 بدأت كلمة «مأساة» تنتشر في الاستخدام على النحو الذي تستخدم به الآن. واقتبس العبارة القساوسة وكتاب المقالات من الدراما اليونانية في الوقت الذي سعوا فيه لتوضيح ما تتعرض له الأمة من آلام. وبعد مقتل لينكولن على الفور كتب كاهن الكنيسة التوحيدية البارز ويليـام بوتر يقول: «العبودية هي سبب الاغتيال... القوانين الرهــيبة للوحدة الدرامية الأكثر صرامة في الواقع من أي مأساة تخيلية ما كان بوسعها تجنب هذه النتيجة».

وعلى مدار العقود القليلة التالية أصبـــحت كلمة «مأساة» أكثر شيوعاً لتشير إلى وقوع حادث مفاجئ ورهيـب وفي معظـم الحالات يُنفذ بموجب الإرادة. وحتى في ذلك الوقـت كانت العواصــف والفيضـانات نادراً ما توصف بالمأساوية.

ولكن عمليات القتل والحرب كانت توصف غالباً بالمأساوية. ومع مرور الأعوام ومع تقلص الألفة بالمسرح الكلاسيكي انفضت الرابطة بين وصف حدث بالمأساوية وعلاقته بالمسرح اليوناني. وتوقفت المأساة عن كونها تدفقاً للأحداث الكئيبة الرهيبة التي لا يمكن تجنبها. وأصبحت عملًا شريراً يلحقه شخص ما بآخر.

وفي هذه الأيام ليست هناك حاجة حتى إلى فاعل. والموت غير المتوقع سواء كان حادثاً أو مرضاً يوصف عادة بأنه مأساوي. وأعتقد أن كلمة «مأساة» يجب الحفاظ عليها كتعبير ذي دلالة محددة. ومن المؤكد أن استخدامها في وصف الهجمات الإرهابية أو مداهمات الشرطة صحيح بالمعنى التقليدي. والمأساة تتراكم فيها التوترات ويهيمن شعور على الناس بأن كارثة ما ستقع. والمشكلة ليست الإفراط في استخدام كلمة «مأساة» ولكن في الطريقة التي نسمح بها للمأساة بأن تؤثر فينا. ويجب أن نستخدم المأساة لنبني مخزونا من الفضيلة يجعلنا أكثر قوة ووحدة، وألا تجعلنا مأساة ما في تناحر مع بعضنا بعضاً.

*أستاذ القانون في جامعة «يل»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا