• الأربعاء 05 جمادى الآخرة 1439هـ - 21 فبراير 2018م

خيول الصحراء تركض نحو مستقبلها الآتي في معرض الفنان القطري علي حسن

حيث ينمو السراب...

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 يناير 2013

محمد مهدي

ينسج التشكيلي القطري علي حسن محاكاته البصرية لائذاً بمضامين ومعالجات انتقائية تقوده نحو مسارب التشكيل، وتُحركه عبر مستويين يرتبطان على نحو ما بالقيمة الزمنية وطرائق الإنتاج، متشبثاً وهو يرنو لإقامة مشروعه الفني الرصين بأطياف الحرف وصرامة الكتلة، مع اعتداده الراكز بمجريات الرسم، وما يتبدى في كنفه من خطوط وتقاسيم جمة تقوى على صناعة الفوارق اللافتة، بين حشد من مفردات تتألف وتتواتر خلال لوحات ومجسمات عدة، لتُشكل في مجملها المتن العام لمعرضه الشخصي (خيول الصحراء)، الذي يُقام بمركز مرايا للفنون، في سياق الدورة الخامسة عشرة لمهرجان الفنون الإسلامية، الذي تنظمه إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.

يقوم المعرض في جانبه الأكبر على تحري واستلهام بعض ما يسعى الفنان لاقتناصه من تفاصيل ومعطيات كائنة ولصيقة ببعض ما يرد في حياة الخيول، وما تتضمنه من تعبيرات صريحة وإيماءات ورموز وإسقاطات تتعلق بالواقع والمأمول، وتًسهم مجتمعةً في شحذ المخيلة الفنية، ودفعها للوقوف على مادة الأعمال وصوغ متونها البصرية المتكئة بذكاء انتخابي واختيار جدير، لواحد من الكائنات الحية الأصيلة وصاحبة الحظوة لدى العرب ومجتمعات الصحراء، كما هو الحال بالنسبة لقطاعات بشرية أخرى وشعوب تحتل مواقعها الشهيرة خلال تاريخ الحياة وأزمنتها المتحركة من ماضي الأيام نحو مستقبلها الآتي، فقد وجدت الخيول في نتاجات الإنسان الأول، كما احتلت مكانتها اللائقة في فنون الحضارات الإنسانية في الشرق والغرب، وعرفت سبيلها كذلك إلى الفنون الحداثية وما بعدها، حتى تم استلهامها في الفنون المعاصرة والراهنة، خلال طروحات متفاوتة المنحى والمآل.

إفصاحات جمالية

أما أعمال علي حسن، فهي تُقاربُ البلاغة الشكلية لأجساد الخيول التي ينعتها الفنان بالصحراوية، وما تكتنزه في جوفها من إفصاحات تشي بجمال الهيئة وحسن التكوين، دون أن تسقط في محاكاة واقعية رتيبة من شأنها العناية بتقديم نسخ كربونية لما تراه العين، وتخنع لوجوده الرؤية المحدودة بالوقوف عند ما هو مرئي وظاهر من مكون خارجي وتفاصيل ونسب تشريحية مقننة، حيث تذهب الأعمال في سبيلها لطرح خيولها الخاصة فحسب، دونما استجابة لضوابط بعينها غير ما يقنع الفنان نفسه بتأليفه، ومن ثم طرحه بصرياً ضمن سياقات تتوافق فقط مع المحلوم بإطلاقه إلى حيث يقبع بصورة نهائية، خلال حيز اللوحات وضمن بنية المجسمات الرابضة، التي تكتسب قيمها ومعانيها طبقاً لما يدور في ثناياها من علائق تستهدف أفكاراً أو رؤى محددة، ما قد تطبع خلد الفنان أو تتوارد إلى ذهنيته.

وقد جاءت خيول علي حسن في عمومها متدثرة بطاقة الأبيض والأسود وما بينهما من درجات رمادية محايدة، تظهر عبر اصطباغات لونية قادرة على الإفادة القصوى من إعمال التباينات وإقامتها بين حيز وآخر، إضافة لإفادتها من بعض تدرجات يسيرة لعدة صبغات تتفاوت في مستويات نصوعها كما أنها تتمايز في قيم الدرجات الخافتة منها، إبان استعمالها خلال مسطحات الرسم وما تشغله من خيول تبدو في صورتها العامة أو قد تظهر كتفصيلات مجتزأة من مكونها الكلي، حيث يتحرك الفنان بحرية وينتقل بتمكن وتمرس باديين خلال التقاطه لوضعيات الخيل وظهورها في ثنايا الأعمال، دون أن يشغل باله كثيراً بضوابط أكاديمية وأسس بات تجاوزها إلحاح منطقي وضرورة واجبة من الضرورات المتعلقة بما يتم إنتاجه من فنون معاصرة، تستطيع أن تقدم وتطرح ذاتها ومضامينها، خلال ما تقترحه هي فقط من نتائج ومحصلات جديدة ترتبط في مجملها بالمقدرة الحقيقية على التجريب والاكتشاف ومن ثم التجاوز، والإقدام على عرض نتاجات فنية لا تنتمي في بنيتها غالباً إلا لخصوصية الفنان وسعيه المتواصل والمحموم نحو تأكيد وجوده وتدشين مشروعه الذاهب بقوة نحو اقتناص الفرادة وإعمالها.

إن علي حسن يضع الخيول في مدارات رؤية المشاهدين متكئاً على حل تشكيلي ماكر يمنحهم ويُتيح لهم فرصاً حقيقية، لاستكمال ما قد تم قطعه من وصل شكلي لبعض رؤوس وأرجل وظهور غابت جميعها في مواربات واجتزاءات تقصَّدها الفنان وتعمد إحداثها، لتظل أقسام من أعماله دائمة الوجود في مخيلات مشاهديها المأخوذة على نحو ما بما تفصح عنه تلك الأعمال من أشكال تُخبر وتُعلن أحياناً عن حاجتها للاكتمال ربما، أو حاجتها لمتابعة الركض خارج أطر وحدود العمل الفني المفروضة من قبل الفنان، لتصير الخيول في أعماله خيولاً متمردة على وضعيات الثبات والارتكان لوضعية أو حالة معينتين أمكن تجاوزهما، عبر هذا الحل التشكيلي الناجز، بما قُدر له من منح الخيول حياة أخرى وامتدادات مخيلاتية تحيا وتتنامى داخل أعين المتأملين وفي أذهانهم وأرواحهم التواقة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا