• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

التميز التنموي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يوليو 2016

«انتقل ببصرك من مربع تزدحم فيه مجتمعات العالم الثالث، وارتفع به إلى الدرجات العليا في سلم التنافسية العالمية، تأمل هناك مؤسسات ذات معرفة تشاركية ودول ذات توجهات إيجابية تراكمية»، كانت هذه إجابتي في افتتاحية مقابلة تلفزيونية عبر إحدى المحطات الفضائية على سؤالٍ محوريٍ مهم لا تكفي مقالات وحلقات ممتدة للإجابة عنه: لماذا لا تنجح التجارب والخطط التنموية في بعض المجتمعات، بينما تتحول دولٌ أخرى إلى نماذجٍ تنموية يحتذى بها في دقة التخطيط وفاعلية التنفيذ، وتحقيق أفضل العوائد والنتائج؟

تكفيك جولة معرفية عبر الدول التي قطعت أشواطاً في رحلتها التنموية، ليأتيك عين اليقين التنموي بنتائجه الفريدة، وتعرف سرّ التميز وخليطاً إبداعياً متقناً من التجارب الناجحة.

سنغافورة، منها نبدأ، الجزيرة التي كانت يوماً معدومة الموارد الطبيعية والحيوية بمساحة لا تتعدى 650 كم؛ تخلت عنها ماليزيا في عام 1965، لكنها كالغريق تشبّثت بالإبداع المؤسسي، واعتلت أمواج التميّز، ورفعت شعاراً عملياً «مدارس تفكر ومجتمع يتعلم»، مع التركيز على مجموعة القيم المجتمعية المرتبطة بالجدية والتسامح الديني والمصداقية؛ ليتضاعف الناتج القومي اليوم 40 مرة، ولتصنع لنفسها مكانة متقدمة ضمن أفضل النظم التعليمية عالمياً، ويصل دخل الفرد 22 ألف دولاراً سنوياً، مقارنة بنحو 435 دولاراً عام 1960.

ولا يمكننا في رحلتنا للتعرّف على نماذج التميز التنموي، ألا نعرّج على التجربة الماليزية، تلك الدولة التي نالت استقلالها عام 1958 ولم تتجاوز طموحاتها آنذاك سوى تصدير المواد الأولية لتوفير الحد الأدنى للشعب الماليزي ذي التعددية العرقية، ولكنها راهنت على الكامن الوطني المشترك في تعزيز القيم والتعلم من التجارب الإبداعية وأميز الممارسات العالمية، كالمنظومة اليابانية، لتصبح الصناعات والممرات التقنية أحد أهم ملامح اقتصادها المتنامي الطموح، ولتتربع في المرتبة التاسعة تقنياً في عام 2001 متقدمة على الصين وإيطاليا والسويد، ولك أن تبحر في رؤيتها الواعدة 2020 لتتأمل الأهداف والطموحات بعد ما كانت تواجه مثلث (الفقر والجهل والمرض) أضحت أجندتها الرئيسة هي الاستثمار في ثالوث (النمو والتحديث والتصنيع)، ماليزيا اليوم تجتذب سنوياً نحو 30 مليون سائحاً، بينما عجزت دولٌ أخرى عن جذب أكثر من 15 مليون سائح سنوياً طيلة رحلتها التنموية الممتدة لعقود عدة، وتظل هناك تجارب أخرى جديرة بالتأمل والتعلم والتوثيق، سيكون لها مقامات أخرى.

والسؤال الذي يفرض نفسه، على ماذا اجتمعت تلك التجارب التنموية المشرّفة؟ وما هي اللبنات التي تراصّت لتشيّد مصنعاً عملاقاً للنجاح والإبهار والتميّز المستدام؟ الحقيقة، هناك عدة عناصر تبدأ بوجود الفكر القيادي المؤسسي الاستباقي القائم على التمكين والتطوير والبناء الإداري الممتد؛ إلى المستويات التشغيلية في الهرم التنظيمي واستشراف المستقبل، ولا يمكن للقيادة المؤسسية تحقيق الأهداف بدون وجود البوصلة المؤسسية، أو الأجندة الوطنية المتمثلة في الاستراتيجيات والخطط واضحة الأهداف والمؤشرات، وهذه الأخيرة لا يمكن لها أن ترى النور بغيرِ سواعد متقنة ومواهب مؤسسية تسعى إلى تحقيق القيمة المضافة وترجمة السياسات عبر شراكات مستدامة وموارد متنوعة، وخدمات ريادية ومنهجيات وعمليات موثقة وخاضعة للتحديث المستمر.

دكتور عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا