• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

علـــم البيان (18)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يوليو 2016

لن نجد أثراً من الآثار في علم البيان خلا من الإشارة إلى القرآن الكريم، وظلت فكرة الإعجاز متسلطة في أذهان الباحثين في البيان، ولكن مع مرور الوقت أخذت النظرة تميل إلى التعميم وتنظر إلى الأدب في سائر ألوانه على أنه تعبير جميل، ففن الأدب ينهض على ثلاث دعائم هي فكرة الأدب وصورته ولكنهما لا يحدثان أثرهما إلا بدعامة ثالثة وهي المطابقة والتناسب بين الصياغة والمضمون من جهة، وما يتصل بالعمل الأدبي من ناحية الغرض والموضوع وقارئ الأدب والمستمع إليه من جهة أخرى.. وأقدم الآثار التي عرفها تاريخ البلاغة، وفيه الإشارة إلى هذه الدعائم الثلاث، هو تلك الصحيفة التي كتبها بشر بن المعتمر، فيها يساوي بشر في المنزلة بين اللفظ والمعنى، «لفظ شريف، ومعنى بديع»، وهي نظرة مثلى إلى الفن الأدبي، وما ينبغي أن يتوافر في ركنيه من الجودة ووجوب رعايتهما والاهتمام بكل منهما، فمن أراد معنى كريماً فليلتمس لفظاً كريماً.

والتنبيه إلى هذين العنصرين فتح باب القول فيهما على مصراعيه، فبحث الباحثون فيما يكون للفظ وفيما يكون للمعنى، وفي ذلك انقسم أصحاب الرأي فريقين، فريق ذهب إلى أن الأدب إنما هو صياغة وتعبير، ومن هؤلاء الجاحظ الذي صرح «بأن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتمييز اللفظ وسهولته، وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من الصبغ وجنس من التصوير».

ويذهب الفريق الآخر إلى أن مدار الأمر ومجال التفاوت إنما هو في المعاني والأفكار، وأن الأديب لا يصعب عليه مرام اللفظ إذا كان المعنى حاضراً في ذهنه، لأنه سيستدعي إذ ذاك الألفاظ المناسبة له من غير جهد يبذله الأديب في الانتقاء والاختيار، وبهذا الرأي تكون المدرسة المضادة للمدرسة الأولى مدرسة الشكل والصياغة والأسلوب، ويتزعمها عبد القاهر الجرجاني. وعلى كل حال فقد بحث كل فريق من الفريقين مظاهر الجودة في العنصر الذي رأى أنه كل شيء في الأدب، فأخذت المدرسة الأولى تبحث في الأساليب وتصنيعها أو البحث في فنيتها، وأخذت المدرسة الأخرى تبحث في المعاني ومدى التفاوت بينها، وغني بذلك البحث البلاغي وتعددت مباحثه باختلاف مناحي القول في الأدب.

تناول بشر بن المعتمر بعض أصول الدراسات البلاغية والبيانية وعرض للفكرة الأدبية، كما عرض لصورة الأدب، كما وضع أساس التعريف البلاغي المشهور «مطابقة الكلام لمقتضى الحال» الذي يعرفون به البلاغة، ويمكن القول أن صحيفة بشر أثارت مسائل عدة تتصل بالبيان وإنشائه.

* المرجع: البيان العربي - دراسة في تطور الفكرة البلاغية عند العرب ومناهجها ومصادرها الكبرى - تأليف الدكتور بدوي طبانة طبعة منقحة 1972م.

إياد الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا