• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

أسرى الفكر الإرهابي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يوليو 2016

حين تؤثر أفكار التطرف في بعض الشباب وتوقعهم في حبائلها وشراكها، وتعلن لنا سيرة أحدهم الشخصية بأنه طالب جامعي، متفوق في دراسته، هادئ الطبع، قويم في سلوكه وسط أصدقائه وزملائه، نتساءل من أين أتته هذه الأفكار المتطرفة حتى ذهبت به بعيداً في الغلو والتنطع إلى درجة القتال مع داعش أو أخواتها سواء في سوريا والعراق أو اليمن وليبيا.

لعل الإجابة ليست ببساطة، ففي العمق تبرز إلى السطح أن هذا الشاب المغرر به يعيش تناقضاً داخلياً لم تسعفه تجربته الشخصية، والتي هي بالضرورة بسيطة، على حل هذا التناقض المستعر داخله، فهنا بقدر سذاجة وبساطة السؤال تكون الإجابة جاهزة: (لقد ابتعدنا عن هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وارتهنا إلى المجتمعات الكافرة، وحتى الأسرة والمجتمع الذي تعيشه فيه قد كفر، مما يتطلب محاربتهم جميعاً، والعمل على إقامة دولة الخلافة)، من هنا يبدأ الاستقطاب والتهيئة النفسية للانضمام لفكر التطرف، كما يساعده على ذلك، بعض آراء الفقهاء المنزوعة من صياغها أو ما تحفل به آراء بعضهم من تطرف وغلو.

ولكن من المسؤول عن وقوع أمثال هؤلاء في براثن التطرف، فترك الشاب وحده من دون معين مع وضع العراقيل في تكوين شخصيته المستقلة، يجعله يعيش التناقض، خاصة إذا كانت صفحته بيضاء يمكن الكتاب عليها بمداد من نور، ويمكن الكتابة عليها بمداد الظلام، فالمجتمع والأسرة والمدرسة، لم تعد تؤدي دورها ووظيفتها التربوية والسلوكية في خلق جيل واعٍ بنفسه وبما حوله، متماسك نفسياً ومعنوياً، بعد أن حازت الوسائط الاجتماعية على اهتمام الشباب، وأصبحت فعلاً تعويضياً، وكفت المجتمعات عن إفراز القيم الإيجابية أو المحافظة عليها، وإنتاج قوانينها للردع الاجتماعي، وتوارى المثقفون والمفكرون، والعلماء والكُتّاب والأدباء وتركوا الساحة للفقهاء والمتفقهين حتى ساد التدين الظاهري، وأصبحت المجتمعات بيئة خصبة للمتطرفين وأفكارهم السامة، وزادت الحلقة إحكاماً بأنظمة تعليمية تكرس للتخلف الاجتماعي، وبمناهج تلقينية غير مرتبطة بالحاضر الذي نعيشه، وبواقع اقتصادي متردٍ ومزرٍ أفرز عطالة بين الشباب وخريجين جامعيين لا يجدون فرص عمل، وكذلك بفساد وإفساد واستبداد في كثير من الدول العربية والإسلامية، كما لا يمكن غض الطرف عن التبدلات العميقة داخل المجتمعات، والتي جرت في وقت وجيز وأحدثت شرخاً عميقاً في المجتمعات تصادمت فيه قيم قديمة بقيم جديدة من دون ضابط يلجم التطرف هنا وهناك، مما هز كثيراً المنظومة المجتمعية، فتطور المجتمعات وترسيخ القيم يفترض أن يمر بمراحل طبيعية كنتاج لتطور المجتمع، مع ملاحظة أن مجتمعاتنا في غالبيتها مجتمعات استهلاكية وليس منتجة مما يجعل التصادم حالة طبيعية.

كل هذه الأسباب جعلت الشباب في حيرة من أمره، بعد أن تملكهم الإحساس بالظلم والغبن والكراهية، مما جعلهم صيداً سهلاً للأفكار المتطرفة التي يتم بثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض المختبئين في المجتمع ممن يحملون أفكار التطرف.

إن هؤلاء الشباب ضحايا التطرف، ولا يمكن محاربة التطرف إلا بغرس قيم التسامح في التعليم والتربية، والتوضيح للشباب بأن هؤلاء يستغلون الدين لأغراضهم الشخصية والدنيوية، وأن الإسلام منهم براء، فحماية الشباب من الأفكار المتطرفة تبدأ بمراجعة المناهج في المدارس والجامعات، واهتمام الدول بهم، لأنهم من يصنع المستقبل، وكذلك إنتاج خطاب ديني بديل، لتفكيك خطاب التطرف، وإعلاء قيمة الوطن والمواطنة واعتبارها قيمة عليا، وإبراز قيم السلام، والتأكيد على أهمية العلم والعقل في المعرفة وتكوين الفرد، واحترام الآخر المختلف دينياً وفكرياً.

لارا الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا