• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

منفتحٌ على الكونيّ.. هاربٌ إلى السؤال

سعادة الفيلسوف في عزلته

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يوليو 2016

مرسيل كونتش*

ترجمة: أحمد حميدة

ليست عزلة الفيلسوف بالعزلة العاطفيّة، حتّى وإن حظي بكلّ علامات الاعتراف الاجتماعيّ، لا يشعر البتّة أنّه معترف به، وأنّه مفهوم في كينونته الأكثر حميميّة، تلك العزلة التي جعلت مونتاني يصيح قائلاً: «آه.. هل لي من صديق..»، هي عزلة شبيهة بتلك التي يكابدها الفنّان، ولكنّها عزلة فكريّة.

قد يكون للفيلسوف أصدقاء، بل الكثير من الأصدقاء، وبإمكانه العيش بينهم كما عاش أبيقور، ولكنّه يظلّ رغم ذلك وحيداً، لأنّ تلك الحالة نابعة من طبيعة الفلسفة. وتعدّ كلّ فلسفة نتاج صاحبها: فنحن نتحدّث عن «فلسفة أفلاطون» لأنّها تخصّ أفلاطون وحده، وفلسفة «ديكارت» لأنّها تعني ديكارت وحده، وليس في إمكاننا القول إنّ الميكانيكا الكوانتيّة هي نتاج هايزنبارغ وحده، بل إنّ هايزنبارغ أقرّ عكس ذلك تماماً. ألم يصرّح في أحد مؤلّفاته: «من المباحثة تشكّلت مادّة هذا الكتاب الذي يحاول إفهام القارئ كيف يتشكّل العلم من المباحثة».

وهل في إمكاننا تصوّر أنّ ديكارت كتب «مقال عن المنهج» بعد أن يكون قد تباحث مع هذا أو ذاك؟ الأمر هو على العكس من ذلك تماماً. وفي هذا الصّدد أُثر عن ديكارت قوله: «حين كنت في ألمانيا، لم تكن لي أيّة محادثة مع أيّ كان حتّى لا تشغلني عن البحث والتقصّي، فكنت طوال اليوم أعتزل في غرفة مدفّأة، وأتفرّغ تماماً للتّباحث مع أفكاري». لم يكن يريد أن يكون من أولئك الذين «لا يشتغلون إلاّ استناداً إلى أعمال غيرهم»، فبالعودة إلى عقله، وعقله فحسب، كان يسعى إلى إعداد منهج يحلّ كلّ المشكلات التي يثيرها العقل البشري. لذلك سوف تكون فلسفته نتاج عمله، كما أنّ دستور سبارطة كان نتاج عمل ليكورغ وحده.

تنبع عزلة الفيلسوف من خيار ارتضاه لنفسه.. ألا وهو خيار العقل، وأيضاً من انفصاله عن السّواد الأعظم من النّاس، أي عن أولئك المحفوزين بقيم القطيع كما يقول نيتشه، المحكومين بالضّرورات الجماعيّة. فهؤلاء كانوا قد خضعوا لتنشئة تقليديّة، لا عقلانيّة، جعلت منهم أناساً جمعيّين، مذبذبين بين الفرادة والكونيّة، فأحالت بعضهم إلى مسيحيين، فيما أحالت البعض الآخر إلى مسلمين أو بوذيين... ولكن أين هي الحقيقة؟ ذلك هو السّؤال الذي يشغل الفيلسوف. ولأنّه يتميّز بالفرادة ويسعى لتدمير المعتقدات والأفكار الجاهزة، فهو منفتح على ما هو كونيّ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف