• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

«ملاقف الهواء».. لغة بصرية تغازل الفضاء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يوليو 2016

محمود عبدالله

«البراجيل» أو «ملاقف الهواء» ليست مجرد طراز معماري تقليدي عرفه الجيل الماضي من أبناء الإمارات، ولم تكن في تقديري مجرد مفردة في بناء البيت القديم، إنها في الواقع لغة بصرية متكاملة تغازل الهواء، وكلمات تحلق في الفضاء لتحكي قصص البنائين الأوائل وإبداعاتهم في الحصول على هواء نقي وتهوية طبيعية وصحية تفي بالغرض، وتخفف حرارة الصيف المرتفعة لسكان المنازل التقليدية قبل أن يعرفوا «المكيفات»، ووسائل التبريد الحديثة بعد مرحلة اكتشاف النفط، حيث إنها أحد التعبيرات عن أصالة السكان في ترابطهم العضوي مع البيئة المحلية، من خلال ربط البناء بالطبيعة. وتبرز ملامح العمارة المحلية في الإمارات بوضوح في المباني التي شيّدت منذ عقود طويلة مضت، حيث إن البساطة هي الصفة العامة لهذه المباني المتميزة بطابع له هوية مرتبطة بذوق المجتمع والناس والمعماريين البسطاء، وعكست جانباً مهماً عن حياة هذا الشعب حضراً كان أم بدواً، معبرة عن الحياة الاجتماعية من تقاليد وعادات، بالإضافة إلى كونها ملائمة للبيئة المحلية من جميع جوانبها. وقد حرص الإنسان الإماراتي في السابق على توظيف فن العمارة في إنشاء بيته لأهداف أساسية شملت حمايته من ظروف الطقس الصعبة في المنطقة، إلى جانب الحفاظ على خصوصية الحياة العائلية والعادات والتقاليد، مع حرصه على استخدام الزخارف ومفردات طرز العمارة الإسلامية لإضفاء الجانب الجمالي على البناء، وتوفير التهوية للمباني أو الفراغات التي لا توجد لها نوافذ خارجية، والحصول على هواء نقي نسبياً من الأتربة، وذلك لبعد مصدر الهواء عن سطح الأرض. من الملاحظ أن العمارة المحلية اهتمت إلى حد بعيد بالصيف وقساوته نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة إلى معدلات قياسية، لذا بذل البناؤون القدامى جهوداً كبيرة في بحثهم عن أفضل الوسائل الطبيعية المتوافرة للوقاية من وطأة تلك الحرارة والظروف المناخية القاسية، وهو ما دفعهم إلى ابتكار عدة أساليب لتحقيق التهوية الطبيعية في المباني، ويتضح ذلك من خلال استعمالهم لفسحات كبيرة من البيوت في بناء «البراجيل» حتى يسحب الهواء ويدور في تلك الفسحات، وعُدّت «البراجيل» بالإضافة إلى «المصابيح» من أهم أساليب التهوية الطبيعية. والمصابيح هي عبارة عن فتحات علوية في جميع واجهات البيت، ووظيفتها تحريك الهواء الخفيف الصاعد إلى سقف المبنى ودفعه إلى الخارج.

البراجيل أو «ملاقف الهواء» عبارة عن فتحات صُممت بشكل معين لدخول الهواء من خلالها من أعلى إلى داخل المبنى ليلطف من درجة الحرارة، وذلك عن طريق دفع الهواء الساخن في داخل المبنى إلى الخارج بواسطة الفتحات الموجودة في المبنى «الدرايش». وصنعت من عدة مواد متنوعة من أهمها الجص والطين وسعف النخيل، كذلك من القماش والكتان، وقد منحها ذلك سمة من سمات الفلكلور الشعبي، كما هو الحال في بوابات المنازل الخشبية القديمة ونوافذها المنحوتة، حيث استخدم النجارون الأوائل مهاراتهم وأدواتهم البسيطة في النقش والحفر لتحقيق جماليات لتلك الأبواب.

ويذكر الدكتور المهندس يحيى وزيري في دراسة له بعنوان «أبراج الهواء في المباني التراثية في الإمارات»: «تعتبر أبراج وملاقف الهواء أحد أهم العناصر المميزة في مباني المدن الإسلامية والعربية القديمة، خاصة تلك التي تقع في المناطق الحارة، وتعرف على أنها مداخل تقوم بتهوية المبنى في وجود مخارج للهواء، وقد استخدم الفناء الداخلي مع الملقف لإتمام حركة الهواء داخل الغرف التي تستخدم الملاقف لتهويتها، ولها فتحات تطل على الأفنية الداخلية، كما استخدمت الشخشيخة مع الملقف في تهوية القاعات، حيث يخرج الهواء الساخن منها، ويحل مكانه هواء بارد من الملقف أو الفناء».

تعرف «البراجيل» في العديد من البلدان العربية باسم «ملاقف الهواء»، وفي بلاد إيران باسم «البادجير»، وهي كلمة فارسية تعني برج الهواء، كما يعرفها البعض باسم «مسرب الريح»، واستخدمت بهذا الاسم منذ العهد العباسي، في حين تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن عرب منطقة «النجا» على الضفة الأخرى من الخليج مقابل الشارقة هم أول من بنوها وجاؤوا بها إلى المنطقة.

في موضع آخر حول هذه الجزئية يقول الدكتور أحمد رجب محمد علي رزق: «الحقيقة، وعلى الرغم من اتفاق جميع الباحثين على أن البراجيل هي أهم عنصر في تصميم البيت الإماراتي، فإن هناك خلاف على أصل الكلمة، وأيضاً على زمن دخولها إلى منطقة الإمارات، فالتسمية العلمية للبراجيل هي (برج الهواء)، أما كلمة (براجيل) فهي المصطلح الشائع في المنطقة، وقيل إن الاسم الأصلي لهذه الأبراج هو (بادكير)، وهي تسمية فارسية شاعت منذ العصر العباسي في إيران، وإن كان البادكير الإيراني يختلف في تصميمه عن الخليجي، إلا أن الهدف واحد وهو إدخال الهواء إلى الغرف، كما يعرف بتسميات أخرى في الخليج والإمارات مثل: «باركيل» و«بارج كتشيل»، إلا أنه من المرجح أنها جميعاً مصطلحات محرفة من الأصل الفارسي «بادجير»، ويعتقد أنها انتقلت إلى الساحل الغربي للخليج عن طريق الإيرانيين المهاجرين والمستقرين في الساحل الغربي، حيث نقلوا معهم هذه التقنية المعمارية، خصوصاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، ثم طورها أهل الإمارات وأبدعوا فيها وابتكروا وزادوا في فاعليتها وشكلها الجمالي». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف