• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

شعر ياباني خاص و.. خالص

الهايكو.. بين التقليد و«التَّقريد»!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يوليو 2016

علي كنعان

هناك العديد من الكلمات التي تمر في وسائل الإعلام وأحاديث الناس، وهي ترمز إلى اليابان، وتدل عليها بوضوح من دون أن تقترن بذكر تلك البلاد، ومن هذه الكلمات: جبل فوجي، الساموراي، أزهار الكرز، فتيات الغيشا، الخزف، الكيمونو.. وما شابه، فضلاً عن شركات السيارات والتصوير والآلات الإلكترونية، لكن قصيدة «الهايكو» غدت أكثر تداولاً وأوسع انتشاراً، خصوصاً بين الكتاب الشباب. وقد تكاثر عدد المولعين بكتابة قصائد موجزة من ثلاثة أو أربعة أبيات، متصورين أنها هايكو، كأن هذا الشكل الجديد امتياز عالمي أسمى من كل ما لدينا من شعر. وهناك عديد من «الدواوين» التي نشرها أصحابها مذيلة بختم «هايكو»، هذه العلامة التجارية الرائجة في مجال التجريب والارتجال والتقليد العشوائي، من دون أي فهم أو معرفة بشروطه ومزاياه، حتى أوشكت مواقع التواصل الاجتماعي أن تضيق بهذا المعترك الجديد. وإذا خطر لبعضهم أن ينقل ما ينسج من «تغريدات» في «تويتر» لينشرها باعتبارها شعر هايكو، فلن يكون ذلك مفاجئاً أو مستغرباً، رغم أنها لا تمتّ بأي صلة إلى تلك القصيدة اليابانية التي لا يمكن أن يكتبها إلا شاعر ياباني مسكون بجمال الطبيعة وإيحاءاتها السحرية الرائعة.

وأعود إلى العنوان لأبيّن أن «التقريد»، رغم قسوة دلالتها، كلمة مترجمة عن الإنجليزية Aping التي تعني ما يقوم به القرد من محاكاة وتقليد لحركات البشر، وهي حركات خالية من المعنى، لكنها تستدعي ضحك الأطفال فتُفرحهم وتسليهم، وتلك هي غايتها القصوى. وأول مَن استخدم هذا الوصف في سوريا الناقد خلدون الشمعة في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. ويبدو لي أن عدداً غير قليل من كتاب القصيدة القصيرة جداً في البلاد العربية صاروا ميّالين إلى وضع تلك «الومضات، أو البرقيات، أو القطوف» الشعرية تحت لافتة «الهايكو»، وهو نمط أو طراز من الشعر الياباني لا علاقة للآخرين به، من قريب أو بعيد. فالهايكو قصيدة يابانية خالصة وخاصة جداً بعدد محدود ومتميز من شعراء تلك البلاد، ولها تقاليدها العريقة التي تذكرنا، ولو من نظرة بعيدة، بالموشحات الأندلسية والسونيتات الإيطالية والإنجليزية، ومن أهمها سونيتات شكسبير.

أسرار

قصيدة الهايكو تتسم بخصائص صعبة في كثافتها، ودقيقة جداً في بنيتها، لا يمكن أن يحيط بها أو يجيد التقاطها إلا شاعر أو كاهن ياباني مستغرق في توحده وصوفيته، وهو يُعرف بعمق تاريخ بلاده وأساطيرها وطبيعتها الجغرافية وظروفها الاجتماعية، كما أنه محيط بأسرار لغته وطاقتها التعبيرية حتى حدودها القصوى. وفي هذا السياق، أود أن أشير إلى أن جوهر الشعر مرتبط ارتباطاً جذرياً بلغة الأم ومكتسبات الطفولة التي غرستها في كوامن النفس وخلايا الذاكرة، حتى كأن الشاعر ارتشفها مع الحليب. وشاعر الهايكو الأصيل مستعد –كما فعل باشو، أعظم شعرائها- أن يطوف هائماً في الجبال غير عابئ بما سيلاقي من مخاطر وأهوال، ليستلهم من تلك التجربة الاستثنائية قصيدة متميزة. وهذا يعني، في الآن ذاته، أن كثيراً من قصائد الهايكو المكتوبة باللغة اليابانية، والمتداولة في أوساط معينة من المجتمع الياباني، لا يعدها الخبراء المختصون منتمية إلى هذا الطراز الشعري العريق.

اللغة اليابانية لغة مقطعية، أي أن كل حرف مؤلف من (حركة وسكون) وحرف النون هو الوحيد الذي يأتي ساكناً كما يأتي متحركاً. وقصيدة الهايكو مؤلفة من 17 مقطعاً، تكتب في ثلاثة أسطر (5–7–5)، يطرح الشاعر في السطرين الأول والثاني الهاجس الذي يشغل باله، ثم يبحر في أعماق تأملاته ملياً ليبدع خاتمة مدهشة، مكثفة أشبه ما تكون بالحكمة في الشعر العربي، عبارة مختلفة ومفاجئة. ولا بد أن تتضمن القصيدة كلمة أو قرينة مأخوذة من الطبيعة، تدل على الوقت أو الفصل الذي كتبت فيه، وقفزة الضفدع في القصيدة التالية دليل على الربيع أو الصيف. وإيراد النص الياباني هنا بأحرف لاتينية للدلالة على عدد المقاطع: ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف