• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

كانا ملتحمين في الوعي الإنساني

الفن والدين.. الانفصال العظيم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يوليو 2016

د. سعيد توفيق

الصورة الذهنية الشائعة لدي الكثيرين من المسلمين هي أن الفن لا صلة له بالدين، فهما موضوعان مختلفان: فموضوع الفن هو «الجميل» الذي يتم إبداعه من خلال عمل أو فعل إنساني يقع على الطبيعة أو المادة: كالحجارة واللون والصوت...إلخ؛ أما موضوع الدين فهو «المقدس» الذي يشمل كل ما له صلة بالإلهي، وهو يقال في مقابل المدنس. وهذا الاختلاف يبلغ أحيانًا- عند المتطرفين من المتأسلمين- حد الخصومة والعداء من جانب الدين للفن.

يعبر التصور السابق عن فهم ضحل أو مغلوط لا يفطن إلى ما هنالك من صلة حميمة بين الفن والدين؛ فالفن والدين في الأصل مرتبطان ارتباطًا وثيقًا؛ فهما موضوعان ملتحمان في الوعي الإنساني منذ أن حاول الإنسان عبر التاريخ التعبير عن نفسه من خلال أنشطة قصدية لا تتوجه بفعل الغريزة فحسب: فالإنسان البدائي قد وعى المقدس باعتباره قوة هائلة غامضة تتحكم في حياته ومصيره، ولذلك يشعر إزاءها بمشاعر متباينة ومتداخلة من الرهبة والروعة والإجلال. وهذا نشهده في الرسومات المنقوشة على جدران الكهوف، وفي التمائم التي كان البدائي يصنعها والتي لا تزال تصنعها الشعوب والقبائل التي تحفظ تراثها البدائي؛ وهو أيضًا ما نشهده في تعاليم حكماء الحضارات القديمة التي يمتزج فيها الشعر بالدين؛ وهو أيضًا ما نشهده في أشعار كتب الفيدا Vedas التي تجسد العقيدة الهندوسية القديمة.

العمائر تشهد

كما أننا نشهد ذلك أيضًا في فن المعمار عند القدماء وفي العصر الوسيط المسيحي والإسلامي: فالمعبد اليوناني ينتصب فوق التل على خلفية من الضوء السماوي، ورواقه منفتح على السماء بلا سقف، لكي يبقى على اتصال بالعالم الإلهي. ومع ظهور المسيحية أصبحت الكاتدرائية هي أسلوب التعبير عن إحساس شعب ما بالعالم الإلهي، وهو أسلوب يختلف حتى داخل المعتقدات المسيحية المتنوعة التي تعبر عن نفسها في طرز معمارية مختلفة. ومما لا شك فيه أن الشعور بالإلهي والمقدس قد تجسد- منذ بدء الحضارات الإنسانية- في الأهرامات والمعابد المصرية القديمة التي تستحضر الشعور بالمهابة والجلال والعلو، على نحو ما صور ذلك المخرج العبقري شادي عبد السلام في فيلمه «المومياء». كما أن المساجد قد عبرت بأشكال مختلفة عن وعي المسلمين بوحدانية الإله التي تتجسد في المئذنة التي تشبه الواحد كعدد وهيئة، والتي تتجسد أيضًا في الإحساس باللانهائية الذي يتجلى في المنمنمات والأشكال الهندسية التي تتكرر إلى ما لا نهاية.

وهذا ما تشهد به أيضًا لوحات التصوير المسيحي في العصر الوسيط، التي تصور غالبًا الروح المسيحية التي تعبر عن نفسها في حالة السكينة والطمأنينة، كما تتجلى في وجوه وإيماءات العائلة المقدسة والقديسين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف