• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

حديث العين.. لُغاتُها

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يوليو 2016

سعيد بنگراد

تُبصر العين وستظل تفعل ذلك إلى أن تنطفئ جذوة الحياة في الجسد الذي يحملها، فتلك وظيفتها الأصلية وذاك مآلها، لذلك لن ترى سوى ما يأتيها من الإبصار ذاته. إنها لا تقوم سوى بأداء دور بيولوجي مشترك بين كل الكائنات الحية، ولكنها حين «تنظر» فإنها تنزاح عن هذا الدور لكي تُنتج شحنة دلالية تحتاج إلى «معرفة» جديدة لا علاقة لها بفعل البصر، فهي من المضاف الثقافي وحده، فنحن جميعنا نبصر ما حولنا ونتبين طريقنا وموقعنا داخله، ولكن القليل منا يُجيد فن «النظرة»، تماماً كما نمارس الرقص والغناء وفن الإلقاء خارج النفعي في أجسادنا، فهذا وذاك لاحقان للحركة وطاقة النطق فيها، وضمن هذا المضاف أيضاً تعلمنا كيف نبتسم، ولا أحد هدانا إلى الضحك فهو انفعال راسخ فينا.

لا يمكن فهم حركات الجسد البسيطة واستيعاب دلالاتها إلا من خلال استحضار السياقات الثقافية التي تجعل تحريكاً خاصاً للعين أو تلويناً في الصوت أو إيقاعاً في الجسد دالاً على معنى أو معان بعينها، فنحن عادة ما نحتمي بالنظرة حين تتقلص مساحات اللفظي في حياتنا أو تختفي، تماماً كما لم يكن الجسد الراقص عند الزنجي ترفاً، ولم يكن الغناء عنده مجرد تنويع صوتي على أصل صامت في الكتابة وفي كل أشكال التعبير الغْرافي، لقد كان الإيقاع المضاف فيهما بديلاً عن لسان استعصى عليه الكلام في مهاجر القيْد، ففي هذا وذاك عودة بالجسد إلى أصله الناطق في «المتعة» وحدها، فهي التي تقوده إلى الخروج عن ضوابط الاجتماعي وإكراهاته، وقد تكون تلك هويته الأصلية التي نسيها أو دفعوه إلى تناسيها.

والحاصل أننا، في جميع هذه الحالات، نلج عوالم الرمزي حيث يتحرر الجسد داخلها من الوظائف النفعية لكي يُفجر طاقاته التعبيرية في كل الاتجاهات. ففيها وحدها يمكن أن يقول ما حرّمته التقاليد أو استهجنته الأعراف الاجتماعية أو استكرهته تعاليم الدين. ذلك أن المتعة والشهوة في الجسد أقوى من يافطات السكون فيه، فهو الحقيقة التي حاولت كل «المؤسسات تجاهلها قديماً دون جدوى، وتحاول اليوم تمجيدها لغايات الربح وحده»(1).

وربما تكون العين من أكثر المناطق في هذا الجسد قدرة على تنويع حضورها في شكلها وفي دلالات منظوراتها، فهي باب شارع على عوالم فيها الأحاسيس والانفعالات والمواقف ومقومات الهوية أيضاً. إنها عين كل شيء، العقل والقلب والصواب والميزان. لذلك، لا تكتفي بالرؤية بل تُقَطِّع المدرك وفق هواها، وهي لا تبصر فحسب، بل تسمع وتحب وتهدد وتبتسم وتتقزز أيضاً. «إن النظرة فيها تبحث دائماً عن شيء أو كائن، إنها علامة قلقة، فكما تود الأيدي أن ترى، تود العيون أن تداعب»(2). إننا نبحث بعيوننا ونختار بها، وفي النظرة نُودع رغبة أو حسرة أو أسى، ذلك أن في «النظر الرجاء» (لسان العرب).

أصل الحياة.. نظرة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف