• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

الأزمة الاقتصادية العالمية تتطلب إصلاحات هيكلية، كما فعلت أميركا عقب الكساد العظيم

إصلاح النيوليبرالية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 03 أبريل 2015

بعد اندلاع الأزمة المالية في 2008 انبرت طائفة من الكتاب والمحللين لفهم ما جرى وتشريحه، فكان أن حمل جزء كبير منهم مسؤولية ما جرى من فوضى عمت الأسواق المالية العالمية وانتقلت إلى مناحي الاقتصاد الأخرى، للنظام النيوليبرالي، وهو تقريباً نفس موقف ديفيد كوتز، مؤلف الكتاب الذي نعرضه اليوم وأستاذ الاقتصاد بجامعة مساتشوستس الأميركية، لكنه على الأقل يحاول في كتابه «صعود وسقوط الرأسمالية النيوليبرالية»، شرح المبدأ الاقتصادي الذي اقترن في أذهان الناس بكل ما هو سلبي ومجحف بحق الطبقة الوسطى، فمنتقدو هذا النظام الاقتصادي يرون في الأيديولوجية النيوليبرالية شراً مطلقاً لا يخدم سوى الأغنياء، ويعرفونها باعتبارها الحرص الشديد على إبقاء تدخل الدولة في حدوده الدنيا، ما يعني الاصطفاف دائماً إلى جانب القوي والتخلي عن الطبقات الهشة التي تحتاج للمساعدة، لذا يأتي الكتاب الحالي ليس للدفاع عن النيوليبرالية، بل للتخفيف من حدة الهجمات الهوجاء التي تتعرض لها، وأحياناً المبالغات التي تحيط بها، خاصة فيما يتعلق بالولايات المتحدة ودرجة التزامها بالنيوليبرالية كعقيدة اقتصادية لا تحيد عنها.

فبخصوص حجم التدخل الحكومي الأميركي في الاقتصاد، يذكر الكاتب أن التدخل الحكومي لم يزد منذ ظهور النيوليبرالية في ثمانينيات القرن الماضي، بل ظل على حاله، لكن مع ذلك لا يمكن إنكار التوجه النيوليبرالي للاقتصاد الأميركي الذي شهد انسحاب الدولة من قطاعات معينة، وتخليها عن الفكرة الأخرى الرائجة في الدوائر الاقتصادية المرتبطة بالكينيزية، حيث تجاوزت الولايات المتحدة هذه الفكرة التي كانت تركز على تدخل الدولة في إدارة الطلب وخلقه، فالحكومات الفيدرالية السابقة، لاسيما تلك التي تلت الكساد الاقتصادي الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، اعتمدت على توصيات كينيز المتمثلة في توسيع الإنفاق الحكومي وخلق الطلب على الوظائف وتحفيز النمو عبر إطلاق مشروعات كبرى تتصل بالبنية التحتية وبالتكنولوجيا وغيرها من القطاعات، وهي سياسة أثبتت نجاعتها، يقول الكاتب، في تطويق تداعيات الكساد الكبير، لذا يعتبر أن خروج الدولة من عملية خلق الطلب وحصره في القطاع الخاص، ثم تمكين قوى السوق لوحدها من تنظم النشاط الاقتصادي، خلق نوعاً من الاختلال.

وبحسب أرقام صندوق النقد الدولي، وصل إجمال الإنفاق العام للحكومة الفيدرالية إلى 6.4 تريليون دولار، أي 37٪ من إجمالي الناتج المحلي، وهي نفقات تشمل المستوى المحلي داخل الولايات، الأمر الذي يثير تساؤلات حول استمرار دور الدولة التدخلي. لكن إذا كان هذا الدليل يسوقه المدافعون عن النيوليبرالية باعتبارها غير مطبقة على أرض الواقع حتى تلام على تسببها في الأزمة الاقتصادية والقول بتراخي الدولة عن دورها الرقابي وإيكاله لقوى السوق، وهو الحاصل بالفعل، يرى الكاتب أنه إذا كان لابد من انتقاد تدخل الدولة -كما يفعل أنصار تحرير السوق- فالأحرى أن يوجه إلى تدخلها لإنقاذ مؤسسات اقتصادية خاصة مثل البنوك التي أوشكت على الانهيار في 2008، لأنها تخدم بالأساس أصحاب الشركات، فيما يحصر الانتقاد عندما تقوم الدولة بسياسة التحفيز الاقتصادي، لأن ذلك سيفيد المجتمع. ويخلص الكاتب إلا أن الأزمة الاقتصادية الأخيرة لن تطوق إلا بإصلاحات هيكلية تهم بنية الاقتصاد نفسه، على غرار ما قامت به أميركا عقب الكساد العظيم.

زهير الكساب

الكتاب: صعود وسقوط الرأسمالية النيوليبرالية

المؤلف: ديفيد كوتز

الناشر: جامعة هارفارد

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا