• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

ظهرت اختلالات عملية إعادة بناء الدولة في العراق، وتفاعلت قابلية الإخفاق الذاتي مع المتغيرات الخارجية والإقليمية، غير المعزِّزة للاستقرار

العراق.. جذور الإخفاق

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 03 أبريل 2015

أصدرت الباحثة الفرنسية ميريام بن رعد، المتخصصة في شؤون العراق، مؤخراً، كتاباً مهماً تحت عنوان: «العراق، انتقام التاريخ، من الاحتلال الأجنبي إلى داعش»، تتبعت فيه البذور والجذور التاريخية لمأزق بلاد الرافدين الراهن، مبرزة بشكل خاص الكيفية التي أدى بها الاحتلال الأميركي في 2003 إلى التأسيس لأحوال من الاحتقان والعوامل المحفزة لعدم الاستقرار يرزح فيها العراق منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، خاصة بسبب تبني نظام المحاصصة الطائفية كقاعدة لبناء النظام السياسي، مع كل ما يعنيه استقطاب مذهبي وقومي، غير حميدين! هذا زيادة على مظاهر فشل أخرى عديدة، تكشّف عنها مشروع المحافظين الجدد الأميركيين في العراق. غير أن الباحثة لا تقف أيضاً عند هذه الجذور التاريخية القريبة جداً للمأزق العراقي، بل تعود إلى ما تعتبره جذوراً أبعد زمنياً وأعمق بنيوياً، تمتد مع الزمن إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، حين تمت تصفية تركة الدولة العثمانية، وتقسيم الولايات العربية التي كانت تابعة لها، حيث تم رسم الخرائط للدول الوطنية الجديدة، من قبل الاستعمارين البريطاني والفرنسي، من دون مراعاة لكثير من الخصوصيات القومية والمذهبية في المنطقة، ما أدى، استطراداً، إلى ظهور دول كالعراق وسوريا، متعددة الأقوام والمذاهب، وهو ما يفرض لزوماً وضع قواعد مساكنة وطنية وتعايش سلمي، لم يتم وضعها أبداً في كلتا الدولتين، اللتين كانتا خاضعتين طيلة العقود الماضية لنظامي حكم «بعثيَّين»، عملاً على تكريس منطق طائفي، انطلاقاً من رهانات وتوازنات سلطوية بالغة التعقيد.

وتنطلق الكاتبة في حالة العراق تحديداً من المآل المفجع الذي تأدى إليه الاحتراب الداخلي خلال العقد الماضي، والسياسات الطائفية التي اتبعها نظام المالكي، لتظهر في نهاية المشهد عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في الصيف الماضي، وهي تحتل الموصل، ثاني أكبر مدن بلاد الرافدين، من دون أن تلقى مقاومة تذكر من قبل الجيش العراقي. وهنا تسعى الكاتبة لتفكيك غموض ظهور ذلك التنظيم الإرهابي، والانهيار المفاجئ لما كان الأميركيون يزعمون أنه سيكون حالة بناء أمة- دولة نموذج في العراق، مبرزة مختلف أوجه قصور واختلالات عملية إعادة بناء الدولة، بعد سقوط نظام صدام حسين، وأيضاً تفاعل قابلية الإخفاق الذاتي مع متغيرات ومؤشرات خارجية وإقليمية، في واقع شرق أوسطي عام من الصراعات الداخلية المحتدمة، والتدخلات الخارجية غير المعزِّزة للاستقرار.

وبين دفتي الكتاب الواقع في 285 صفحة، تطالعنا في عناوين بعض الفصول مثل «بحثاً عن عدو» و«اجتثاث البعث» و«بين العرب والفتنة» و«الانقسام في المعسكر السُّني» و«صحوات العشائر» و«الانسداد السياسي» و«حرب التناوب» السياسي، وغيرها، من فصول يغوص كل منها في أحد الأبعاد السياسية أو التأريخية القريبة أو البعيدة لما يجري في العراق الآن من صراع دموي، مع تركيز خاص على الدور الغربي في الإخفاق والاختناق السياسي الراهن، حيث إن محدودية الفهم، وأحياناً الاستعاضة عن الفهم بالوهم، هي ما أدى بالترتيبات السياسية التي هندسَها الغرب في العراق ما بعد سقوط النظام السابق إلى أن تتحول مع مرور الوقت إلى وصفة شبه مضمونة للفشل والصراع الداخلي والحرب الأهلية، وصولاً إلى سقوط أجزاء واسعة من البلاد في أيدي تنظيم إرهابي شرس يسعى المجتمع الدولي اليوم لمساعدة العراق والعراقيين على التخلص من شروره، وإن كانت ملامح وأفق ما بعد ذلك لا تزال أيضاً غير واضحة، أو على الأقل في مرحلة الأسئلة.

حسن ولد المختار

الكتاب: العراق، انتقام التاريخ، من الاحتلال الأجنبي إلى «داعش»

المؤلفة: ميريام بن رعد

الناشر: فاندميير

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا