• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

رذيلة الثبات على الموقف أو الجمود في أمة العرب ضربت كل المجالات، خصوصاً المجالين السياسي والديني، وخلقت مقدسات وتابوهات مزيفة لا يمكن الاقتراب منها

الفضيلة الغائبة في أمة الرذيلة الخائبة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 20 يوليو 2016

محمد أبوكريشة*

المواقف الثابتة هوى وإعادة النظر عقل.. ومن قال إنه لا يحيد عن موقفه قرر أن يحيا بلا عقل، ومن قال إنه يفعل فقط ما يقتنع به قرر أن يعيش وحده ويموت وحده.. ومن قال إنه سيعيد النظر في مواقفه وآرائه قرر أن يكون شجاعاً وعاقلاً.. والقرآن الكريم والسنة النبوية فيهما دروس كثيرة لنا في فضيلة إعادة النظر، والآيات المنسوخة في القرآن الكريم أعظم درس في فضيلة إعادة النظر.. وليس فوق علم الله تعالى علم، وهو سبحانه قادر على أن ينزل آية واحدة تظل أعناقنا لها خاضعة مدى الحياة، لكن مشيئته سبحانه في النسخ هدفها أن نتعلم نحن الجهلاء مهما علمنا، والأغبياء مهما عقلنا أن نعيد النظر في مواقفنا وآرائنا.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها».. وهو صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى حين نهى ولا ينطق عن الهوى حين أمر.. لكنه درس لنا في فضيلة إعادة النظر وشجاعة تغيير المواقف إذا ثبت فشلها وخللها، والتخلي عن المكابرة والعناد باسم الثبات على المبدأ والمواقف والتمسك بالرأي.. والمكابرة والعناد والثبات على المواقف أخطر أسباب تخلف هذه الأمة، وانتشار الإرهاب فيها.. وأخطر أسباب موت الاجتهاد والإبداع، وتوقف نمو القرائح والعقول.

كما ابتليت هذه الأمة التعيسة برذيلة اخترعها «الإخوان» ونظام الملالي الإيراني، وهما وجهان لعملة رديئة واحدة.. وهي رذيلة السمع والطاعة لأشخاص أغبياء جعلوا أنفسهم آلهة من دون الله، ورسلاً وأنبياء من دون رسوله، وكل رسله صلوات الله وسلامه عليهم، فتم اختزال الإله في «المرشد العام» و«الولي الفقيه».. وكأنهما لا ينطقان عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى!. ومن هذه الآفة والرذيلة وحلول الله عز وجل وتعالى علواً كبيراً في جسد المرشد العام والمرشد الأعلى! نشأت المذاهب والفرق الهالكة، وتم مسخ عقول الناس أو مسحها فتحولوا إلى قطعان ماشية.. يجرها «المرشد العام» و«المرشد الأعلى» و«أمير الجماعة» الذين هم آلهة ورسل من دون الله ورسله!. وعادت إلى المشهد عبادة الأصنام ولكن بشكل أخطر لأن أصنام هذه الأيام من لحم ودم.. وقد كانت أصنام المشركين من حجارة لا تنفع ولا تضر.. أما الأصنام البشرية فهي تضر ولا تنفع وتميت ولا تحيي، وأصبح لكل فرقة أو جماعة أو مذهب صنم تعبده وتتقرب إليه بالدم والانتحار.. فمرشد «الإخوان» صنم ومرشد الملالي صنم والبغدادي صنم «داعش» والظواهري صنم «القاعدة» وعبدالملك الحوثي صنم الحوثيين وحسن نصر الله صنم حزبه.. وعدنا باسم السلفية إلى رذيلة المشركين وشعارهم (وجدنا آباءنا.. وألفينا آباءنا.. أتلفتنا عما كان يعبد آباؤنا؟) وتوقف النمو العقلي لهذه الأمة.. تكبر أجسامنا وتضمر عقولنا ونعيش بقول الشاعر: «لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ.. جسم البغال وأحلام العصافير».

ورذيلة الثبات على الموقف أو الجمود في أمة العرب ضربت كل المجالات، خصوصاً المجالين السياسي والديني، وخلقت مقدسات وتابوهات مزيفة لا يمكن الاقتراب منها.. كما أن هذه الرذيلة ارتبطت بالتكسب والتربح الماليين من الذين دافعوا عن ثبات المواقف.. فقد ربح أصحاب المواقف الثابتة مليارات من كل العملات من تجارة المبادئ الثابتة والمواقف الصلبة والراسخة، خصوصاً في القضية الفلسطينية.. وأيضاً فيما سمي السلفية (وألفينا آباءنا).. وليس من المصادفة أبداً أن يكون أهل المواقف الثابتة والراسخة أغنى أغنياء هذه الأمة.

والحق أنه لا توجد أبداً في هذه الأمة مواقف ثابتة ومبادئ راسخة، ولكن توجد أقوال ثابتة وشعارات صامدة، بينما يغير الهاتفون بها مواقفهم كما يغيرون جواربهم.. وقد ورثت الأجيال العربية المتعاقبة أقوالاً ثابتة وشعارات راسخة، ولم ترث مواقف صلبة ولا صامدة.. ورثت شعارات (العدو الصهيوني.. والكيان الصهيوني.. والصهاينة)، بينما التنسيق والتحالف على أعلى مستوى بين «الإخوان» وإيران من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى.. بل إن الثلاثة أعضاء فاعلون في التنظيم الدولي الماسوني الذي ألغى الأديان تماماً، وأذاب الفوارق المذهبية والقومية لصالح حكم العالم أو «أستاذية العالم»، وتجد فيه أعضاء متنافرين دينياً وقومياً وعرقياً، لكنهم متحدون في لعبة التآمر على العالم كله.

وأدت لعبة المواقف الثابتة إلى شيوع النفاق والباطنية.. وأن يقول العرب بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويعجبك قولهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة أيضاً، ويشهدون الله على ما في قلوبهم، لكنهم عندما يولونك ظهورهم أو يتولون أمراً يفسدون ويهلكون الحرث والنسل ويقولون: (إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً).

والعالم من حولنا في حالة إعادة نظر دائمة بشأن كل القضايا، وتلك فضيلة ليست عند كثير من العرب الذين قتلهم التشبث وأهلكتهم المكابرة والعناد وأضاع عليهم التطرف ملايين الفرص.. ورذيلة الثبات على الموقف إحدى أهم علامات ومظاهر الإرهاب والتطرف والغلو.. بل هي أبرز مظاهر الحماقة والجهالة.. وفي كل يوم نرى كل الدول تعيد النظر في مواقفها.. فالولايات المتحدة أعادت النظر في عدائها لإيران وكوبا، وأعادت النظر في مواقفها المناقضة لروسيا في الأزمة السورية.. وتركيا أعادت النظر في مواقفها من إسرائيل، وتحول العداء إلى تحالف، وفي مواقفها من الأزمة السورية.. وتوشك أن تتخلى عن عدائها لنظام بشار الأسد.. ونحن لا نناقش هنا خطأ أو صواب المواقف الجديدة، ولكننا نناقش الفضيلة الغائبة في أمتنا العربية، وهي فضيلة إعادة النظر على قاعدة (رأيُنا صوابٌ يحتمل الخطأ ورأى غيرنا خطأ يحتمل الصواب) وعلى قاعدة (أصابت المرأة وأخطأ عمر).. لكننا آثرنا الجمود والغلو والتطرف وقلبنا الأمر وعكسنا الصورة، فنحن نرى الرذيلة فضيلة ونرى الفضيلة رذيلة.. نرى الثبات والجمود والتحجر والغلو والسمع والطاعة لـ «المرشد» و«أمير الجماعة» فضيلة، ونرى إعادة النظر وإعادة التفكير وإعادة تقدير المواقف وتقييمها رذيلة.. نحن نفخر برذيلة المواقف الثابتة ونخجل من فضيلة إعادة النظر.. نسمي الجمود تمسكاً بالمبدأ ونسمي إعادة النظر تراجعاً، وهكذا توقفنا في محطة الرذيلة الخائبة وفاتنا قطار الفضيلة الغائبة ليركبه الجميع إلا العرب الذين ما زالوا يدورون حول أنفسهم في الملعب العالمي، ولا يكسبون أرضاً ولا يبادرون ولا يهاجمون، ويكتفون بتلقي الأهداف.. لأننا نفتقد الفضيلة الغائبة في أمة الرذيلة الخائبة!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا