• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

عن الإشارات والمسبقات والمطلقات والمشتبهات والظنون

الاعتدال وتأويلاته

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 أبريل 2015

يُقال إن «الاعتدال» هو «الاستقامة»، ومن استقام فقد سار على «السبيل السوي» لا ينزاح عنه يمينا ولا شمالا. ومن ذلك أن المعتدل هو من لا «يميل به الهوى فيجور في الحكم ويظلم» (لسان العرب). ويُحيل، من هذه الزاوية، في جزء من دلالاته، على ما يمكن أن يُصنَّف ضمن نظرة «موضوعية» للظواهر، أو على حالة من حالات تقدير الأشياء والحكم عليها خارج ما يمكن أ ن يتسرب إليها من الانفعالات والميول الذاتية.

قد يكون هذا المعنى بالتحديد هو الأساس الذي قامت عليه الفواصل الممكنة بين «الضرر والضِّرار» و«الإفراط والتفريط»، و«الشدة والتراخي»، وسلسلة أخرى من الأحكام القيمية التي يُحاول الناس من خلالها اجتناب «التطرف» وخلق «حالة» تُوازِن بين الاندفاع الهوَوِي داخلهم، وبين مقتضيات عيش مشترك يقوم على «الوسطية» في السلوك الفردي والاجتماعي على حد سواء.

ولكنه وثيق الصلة بالهوى أيضا، والهوى، كما هو شائع، يندرج ضمن سلسلة من «المحددات الدلالية المضافة» التي تقع على جانبي «الوسط»، أي ضمن ما تحدده «العتبات» التي يُقيمها المجتمع ويقيس من خلالها «الفائض» في الانفعال والسلوك والمواقف، وهي جميعها ممارسات تقع على طرفي «خط مستقيم»، هو ذاته ليس سوى قيمة مفترضة لا يمكن قياس مضمونها إلا ضمن ما يبيحه التوزيع الثقافي المخصوص الذي يتحقق داخله هذا السلوك أو ذاك. فالإنفاق، بما هو صرف لجُهد أو لمال تلبية لحاجة خاصة بالنفع أو المتعة، واحد عند كل الناس، ولكنه مُحاط في الاتجاهين سلبا، بالتبذير والإسراف والاندفاع والعنف، أو بالبخل والتقتير والاستكانة والخمول.

قناعات المفتي

وضمن هذا التقاطب تتبلور الكثير من ردود الأفعال الفردية وتتحدد كل الأحكام الاجتماعية، بما فيها ما يعود إلى الموقف العقَدي وما يتضمنه من «أمر» و«نهي» و«ترهيب» و«ترغيب»، وهي مواقف يتحدد وفقها إيقاع الحياة، وقد تتحول مع توالي الأزمنة إلى «توجيهات» سلوكية مستبطنة لا تستمد مضمونها من مقتضيات ما يمكن أن يقوله النص بشكل صريح، بل تُسرِّب مُجْمَل أحكامها إلى سياقات تأويلية تلعب فيها «قناعات» المفتي و«رؤاه» الدور الرئيس. فهذا الذي يُفتي ليس «خالي الذهن»، كما لا يقرأ نصا خاما يحمل دلالاته في كلماته وحدها، بل يأتي إلى النص محملا بمعارف و«مسبقات» هي جزء من موسوعة عامة تتبلور داخلها مرجعياته الضمنية والصريحة. وهو أمر يؤكده اختلاف الفِرَق الدينية وتعدد الفتاوى وتناسل الأحكام والمقاصد الشرعية، رغم إجماع الفقهاء على وحدة النص وأصالته.

وبهذا المعنى، لا يمكن رد «الاعتدال» إلى ما يدفع إلى انتقاء معنى جاهز لا أحد يجادل في وجوده، إنه في الجوهر إسقاط لموقف سابق يتحدد من خلاله جزء من معنى النص. فنحن لا نبحث عن «حقيقة موضوعية»، بل نميل إلى ما يؤكد قناعاتنا الخاصة ويدعمها. وبذلك لا يمكن النظر إلى الاعتدال باعتباره مجرد درجة من درجات الإخلاص للأصل، ما يوازي كَمَّا معلوما من الإيمان، بل هو في حقيقة الأمر انزياح عنه بالتأويل، أي «بالاجتهاد» الذي يتم في «ذات» المؤول في المقام الأول، لا ضمن ممكنات النص الموضوع للتأويل وحده. ولو لم يكن الأمر كذلك لما حَرَّم البعض ما حلله الآخرون، ولما تباينت أشكال الطقوس الدينية عند المذاهب، ولعَبَد الناس إلها واحدا دون حاجة إلى وساطة الفقهاء والرهبان. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف