• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

من لا يحبّ الله الأحد لن يحبّ أيّ أحد

من عقيدة الخوف إلى مجتمع الكراهية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 أبريل 2015

سعيد ناشيد

منطلق الإصلاح واضح، نحتاج إلى إصلاح الخطاب الديني أوّلاً وعاجلا. بدون هذا الإصلاح ستطول معركتنا ضدّ التطرّف الديني وقد لا نربحها في الأخير. علينا ألا ننسى هذا: الخراب يصيب الأذهان قبل أن يطال الأوطان. وهنا أيضاً يجب أن نبحث عن نقطة البدء. البدايات الممكنة عديدة ومتعددة لكنها لا تعدو أن تكون أكثر من مواضعات في الأخير.

لذلك، سأقترح نقطة بدء تبدو لي الأنسب: إنّ أزمة الأسس التي نعاني منها اليوم في مسألة الإيمان تضعنا أمام ضرورة العودة إلى الأسس نفسها. ورأيي أنّ نقطة البدء الأساسية في موضوع كهذا تتعلّق بمراجعة علاقتنا بخالقنا. هذا ليس أمراً هينا أو متعاليا، ولا هامشيا أو مفارقاً، بل هو البداية الأكثر عمقا وتدقيقاً. لماذا؟ لأنّ العلاقة التي يقيمها الإنسان مع خالقه تنعكس مباشرة على علاقة الإنسان بسائر المسائل والأشياء الأخرى، العالم، الطبيعة، الزّمان، الوجود، الحياة، وتنعكس بالأحرى على علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. وكما قلنا ونقول دائما، تبعاً لصورة الخالق لدى الخَلْق يكون الخُلُق. وبالجملة، فكما تكون علاقتنا بالله تكون علاقتنا بعيال الله.

خيار آخر

والسؤال الآن: كيف هي علاقتنا مع الله وهذا قبل أن نسأل عن علاقتنا مع عيال الله؟ لعل استقراء بسيطا لمناهج التعليم الديني وخطب الجمعة والبرامج الوعظية في العالم الإسلامي (وإن كان هذا يحتاج إلى مؤسسة بحثية لأجل التدقيق والدقة) يجعلنا نستنتج ـ ولو كانطباع أولي ـ بأنّ علاقة المخلوق بخالقه في العالم الإسلامي تتسم بطابع الخوف، الخوف من غضب الله، الخوف من انتقامه، الخوف من عقابه. رُبّ سائل يسأل، وهل ثمة من خيار آخر أمام الإنسان سوى أن يكون خائفا مرتعبا أمام عظمة الله؟ هل يمكن أن تكون علاقتنا مع الله قائمة على شيء آخر غير الخوف؟ أليس جديراً بنا أن نُعلم الأطفال الخوف من الله حتى يصبحوا مهذبين ومنضبطين؟ أعرف أنّ بعض الأمنيين في العالم يرى في الأديان فرصة لضبط الشباب وتهذيب القاصرين. لكن هؤلاء لا ينتبهون في العادة إلى السؤال: بأي معنى، بأي خطاب، بأي تصوّرات نقدم الدين للشباب وللقاصرين؟ ولنستحضر الحسابات الأمنية ثم نتساءل، هل قاد الخوف من الجحيم إلى تراجع نسبة الجانحين وسجناء الحق العام؟ ولنستحضر الرّؤية التربوية ثم نتساءل، هل قاد الخوف من الجحيم إلى تقليص نسبة الكذب والغش والسرقة والرشوة والجريمة في المجتمعات المتدينة؟

أحيانا تواجهنا معضلة تتعلق بالسذاجة المفرطة، وذلك حين يعود الطالب من فترة غش في الامتحان ثم يشعر بأنه في أعلى منازل الأخلاق لمجرّد تقبيل رأس أمه مثلا! لنكن واضحين وصرحاء، حين نتكلم عن الأخلاق يجب أن نحدد ماذا نقصد بتلك الكلمة الرّنانة؟ إنّ الأخلاق بالمعنى الحداثي هي أخلاق معقلنة، مؤطرة للفضاء العمومي، وقابلة للقياس والتقييم. يختلف الأمر بالنسبة لقيم القدامة. فأنت مثلا قد تكرم ضيفك في بيتك، وقد تبر بوالديك، وقد تزيل الأذى من الطريق، لكن هذه الأفعال غير قابلة للقياس. إذ كثيرا ما يحدث سوء تفاهم حول معنى الكرم، حول دلالات البر، حول طبيعة الأذى. وعموما تندرج كل هذه المسائل ضمن آداب السلوك الخاص، والتي هي مسألة تقديرات تغلب عليها الأهواء في كثير من الأحيان. أمّا أخلاق الفضاء العمومي فهي شيء آخر. مثلا فإن الالتزام بالمواثيق والاتفاقيات والمسؤوليات والواجبات والالتزامات والعقود والعهود والحفاظ على النزاهة والمصداقية والشفافية، يندرج كل ذلك ضمن القيم المُعقلنة والمؤطرة للفضاء العمومي. المشكلة أننا نعيش حالة تضخم في آداب الفضاء الخاص (آداب قضاء الحاجة، آداب النكاح، آداب الطريق...) وهذا على حساب إهمال شبه كلي لأخلاق الفضاء العمومي. بل الكثير من المفاهيم الأخلاقية الكبرى والمؤطرة للفضاء العمومي قد انحسرت في دائرة آداب الفضاء الخاص. من ذلك على سبيل المثال، مفهوم الفساد، والذي هو حتى بالمعنى القرآني شامل للجرائم التي تهدد العمران البشري، قد انحسر داخل معظم المجتمعات الإسلامية في نطاق ما يسمّى بالزنا. ما ينم عن فقر أخلاقي مدقع.

ثلاثة أسئلة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف