• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

‎الديمقراطية المباشرة في الهند

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 12 يناير 2014

سلكت الديمقراطية الهندية في الأسبوع الماضي منحى جديداً يشبه إلى حد كبير الديمقراطية في نسختها اليونانية الأثينية القديمة بعدما خاطب حزب «عام آدمي» الجمهور للمرة الثانية في محاولة لتسوية المعضلة السياسية بولاية نيودلهي، حيث أعاد الحزب الجديد على الساحة السياسية الهندية، الذي حصد في انتخابات الشهر الماضي 30 في المئة من أصوات ناخبي الولاية وحصل على 40 مقعداً في برلمانها المحلي، طرح مسألة «الديمقراطية المباشرة» وذلك دفاعاً عن قراره بعقد استفتاء عام في ولاية نيودلهي حول ما إذا كان يحق له تشكيل حكومة أقلية في العاصمة.

ويبدو أن الحزب استلهم في وثيقته التأسيسية نموذج منطقة «بورتو أليجري» في البرازيل للحكم المحلي من خلال الموافقة الشعبية، وهو ما يعني أن القوى العالمية البازغة لديها هي أيضاً ما تقدمه على الصعيد السياسي بقدر ما لها من إضافات اقتصادية. فالجهود المبتكرة التي تبذل في بلدان، مثل الهند والبرازيل لتطوير صيغ الحكم البديلة من شأنها تطوير الديمقراطية وإخراجها من صيغتها الغربية التي ترى فيها النموذج النهائي والوحيد القادر على الإلهام!

وبالرجوع إلى استفتاء نيودلهي الذي دعا إليه حزب «عام آدمي» الذي بنا سمعته على نضاله ضد الفساد والمطالبة بإقامة هيئة حكومية تعنى بمحاربته نجد أنه قد اعتمد على الأساليب التقليدية والوسائل الحديثة معاً. فمن جهة أعطى الحزب سكان نيودلهي فرصة الذهاب إلى اجتماعات عامة للإدلاء برأيهم مباشرة في مسألة تولي الحزب حكم الولاية، على رغم أقليته في البرلمان، والتصويت على ذلك بـ«لا» أو «نعم». ولكنه من جهة أخرى اعتمد أيضاً على الرسائل النصية القصيرة للتوصل برأي الجمهور، وبالطبع أثار البعض تحفظات مشروعة حول مسألة «الإرادة الشعبية» التي سعى الحزب إلى تجسيدها من خلال الاستفتاء والديمقراطية المباشرة، بدل نظيرتها التمثيلية المتعارف عليها. وعلى كل ما الذي يضمن أن المشتركين في الاستفتاء لن يكونوا من المتحمسين الذين صوتوا أصلاً للحزب في الانتخابات؟ خاصة أن النتيجة أكدت حصول الحزب على نسبة 75 في المئة من المصوتين بنعم عبر المشاركة المباشرة، و90 في المئة من خلال الاجتماعات العامة واللقاءات الجماهيرية. وهو ما يعني تولي زعيم الحزب والناشط المناهض للفساد، أرفيند كيجريوال، المهمة باعتباره الوزير الرئيسي السابع للولاية والأصغر سناً، ولكن هذه الخطوة أثارت جدلاً في صفوف المراقبين بالنظر إلى التحالفات التي أفرزتها حتى تتمكن حكومة الأقلية من الحكم وسط برلمان لا تحظى فيه بأغلبية المقاعد.

والحكومة في هذه الحالة لن تتمكن من الحكم ولن تجمع الأغلبية البسيطة الضرورية لها إلا بدعم من حزب المؤتمر الذي مني بخسارة مريرة في انتخابات الولاية واكتفى بثمانية مقاعد فقط بعد ثلاث دورات متتالية قضاها في حكم الولاية. وهذا التحالف لا يرتكز على علاقات ودية تجمع الحزبين بقدر ما يستند إلى المصلحة والحس البراجماتي لحزب «عام آدمي». ولعل تصريح زعيم الحزب الذي فند فيه مزاعم حزب المؤتمر بأنه هب لإنقاذ التجربة الجديدة وتمكينها من الحكم خير مثال على هشاشة التحالف. والحقيقة أن الحراك السياسي بولاية نيودلهي كان مشهداً التقت فيه البراءة السياسية كما تمثلها تجربة الحزب الجديد مع السلطة والخبرة الطويلة التي يجسدها حزب المؤتمر، فمن جهة حاول حزب «عام آدمي» تشكيل حكومته بطريقته المبتكرة بأسلوب الديمقراطية المباشرة دون التخلي عن مبادئه ومثله الأخلاقية التي بنى عليها حملته الانتخابية، ومن جهة أخرى سعى حزب المؤتمر بخبرته الطويلة في الحياة السياسية للاستفادة من تحالفه الجديد بعد أن رُكن جانباً من قبل الناخبين.

ولاشك أن مجموعة من الحسابات والمقايضات السياسية كانت وراء تحالف الحزبين لتشكيل حكومة نيودلهي وقرار حزب المؤتمر دعم التجربة. بالإضافة إلى شبح الانتخابات العامة على الصعيد الوطني المقرر إجراؤها بعد ستة أشهر والتي ترخي أيضاً بظلالها على التحالف. فتنصيب حكومة محلية في الهند بالعاصمة نيودلهي سيعطي لحزب «عام آدمي» فرصة اختبار برنامجه الراديكالي الجديد في إدارة البلديات، ولا مركزية السلطة السياسية كما ينص عليها ميثاقه التأسيسي، هذا بالإضافة إلى تشكيل هيئة لمكافحة الفساد بصلاحيات واسعة، وهو ما كان ينادي به الحزب في الفترة السابقة، ولا ننسى أيضاً أن صعود الحزب في الولاية سيعطيه حضوراً في الساحة الوطنية قبيل الانتخابات العامة. ولكن الاستفادة لا تقتصر على الحزب الجديد وحده، بل تمتد أيضاً إلى حزب المؤتمر الأكثر رسوخاً، فهو من خلال مد يده إلى حزب وليد، ولكن صاعد على الساحة، يريد أن يقطع الطريق على ناريندرا مودي، زعيم حزب باهاراتيا جاناتا، القادم بقوة.

تشاندراهاس تشودريكلاج

روائي هندي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا