• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

فيلم فرنسيّ لافت عن استقبال الأطفال المهاجرين الصغار

«ساحة بابل».. تضافر الاختلاف في انتظار المستقبل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 13 أبريل 2014

نادراً ما يجتمع الفنّ والتربية ليتمخّضا عن فيلم وثائقيّ ناجح يتجاوز الوثيقة ويرقى إلى مصاف الفنّ الرفيع ويشكّل شهادة ثقافيّة عالية على تجربة إنسانيّة متقاسَمة على نحو واسع. فغالباً ما تكون الأفلام التربوية أو التي تنطلق من عالم التربية مملّة وتعليميّة وتوجّهها إرادة الإعلام عن تجربة ما أو عن مؤسّسة معيّنة لا الرغبة في إضاءة الواقع العامّ والسعي إلى تغييره. والحال أنّ هذا الاجتماع النادر لعنصرَي التعمّق التربويّ والشهادة عبر الفنّ يتحقّق في فيلم وثائقيّ استثنائيّ أجمع على تحيّته في الأسابيع المنصرمة نقّاد الفنّ في الصحف الفرنسيّة الكبرى.

يحمل الفيلم عنوان «ساحة بابل» La cour de Babel، والمقصود ساحة لعب الأطفال في المدرسة. وفي العنوان لعبة مزدوجة على تعبير «برج بابل» La tour de Babel، وعلى المفردة الفرنسية cours، التي تعني «الدرس». ذلك أنّ الفيلم يتمحور حول تعدّد اللغّات وتنوّع الانتماءات البشريّة أو الجغرافيّة. وضعته المخرجة الفرنسية جولي برتوشيلي، ومدته تسعين دقيقة. وهو يُعرض منذ أسابيع في دور السينما الاعتياديّة. ذلك أنّ مبتغى المخرجة هو إشعار الجمهور العريض بموضوع الفيلم وتوعيته بخصوص الظاهرة التي يعالجها. إنّها مشكلة الهجرة الواسعة يضطّر إليها الأفراد والجماعات لبواعث مختلفة. وفرادة هذا الفيلم آتية من كونه يعالج موضوعه من خلال انعكاسات ظاهرة الهجرة على الصغار، وما يمكن أن تأتيهم به تربية لغويّة أنموذجية من عون في تجاوز الآثار المعيقة.

طوال سنة دراسيّة، حضرت المخرجة وفريق تصويرها يوميّاً واحداً من الصفوف المدرسية التي تُعرف بصفوف استقبال الأطفال المهاجرين، والتي تتكفّل بتعليمهم اللّغة الفرنسية وبعض المبادئ الفكرية والثقافية.

والصفّ الذي آثرت المخرجة ارتياده واختارته مكاناً أوحد للفيلم هو هذا الذي اضطلعت به في العام الفائت المعلّمة بريجيت سرفوني في مدرسة «لا غرانج أو بيل» الكائنة في الدائرة العاشرة من باريس. ويضمّ تلامذة أحداثاً آتين من مالي وغينيا وبولندا وكرواتيا وبلاد الصّرب ورومانيا وشيلي والبرازيل وإيرلندا الشمالية وليبيا وسريلانكا وموريتانيا والصين والمغرب، وسواها. هم أربعة وعشرون تلميذاً يحمل كلّ منهم تاريخاً وسيرة زاخرة بالأحداث وفرحاً طاغياً وإرادة في معانقة المستقبل. ساعات من التواصل المرح تتخلّلها بلا شكّ لحظات يأس وإحباط يُصار إلى التعبير عنها أمام المجموع، ممّا يساعد في تجاوزها وربّما في استئصالها. ومن بين علامات أنموذجيّة المقاربة التربوية التي عملت بها المعلّمة بريجيت سرفوني أنها لا تقتصر على الفرنسيّة في برنامجها الهادف بالأساس إلى تعليم هؤلاء الأحداث لغة البلاد التي ألقوا فيها عصا ترحالهم والتي سيشرعون بالتعلّم وربّما العيش فيها نهائيّاً. لا بل هي تشجّعهم على الكلام بلغاتهم الأصليّة، فيسمع الجميع بين الفينة والفينة عبارات منطوقة بلغات أُخرى غير لغاتهم. إنّهم يبدأون الدرس بكلمات التحيّة أو بعبارة «صباح الخير» منطوقة بجميع اللغات التي يتكلّمها تلاميذ الصفّ، ويتحاورون بالفرنسية حسب قدراتهم التعبيرية وبإشراف من المعلّمة في التكوين الجغرافيّ للعالم، وفي اختلاف الألسن وألوان البشرة، وفي اختلاف الإيماءات ودلالاتها حسب اختلاف الشعوب والثقافات. هي بالإجمال أشياء بسيطة أو مألوفة ولكنّها تشكّل أفضل مدخل ممكن لفهم الاختلاف والتنوّع باعتبارهما سمة للإنسان وثراءً للبشرية.

ثمّ إنّ كلّاً يسرد على الآخرين تجربته، متجاوزاً مأساته باقتسامها، ومستشرفاً المستقبل بتطويع صدمات الماضي. ولا أكثر إنعاشاً هنا من سماع بعضهم يُنشد أغنية بلغته، والبعض الآخر يعرض آماله وأحلامه وما يريد أن يكون عليه في المستقبل، أو يفصح عن مكنونات شعوره وما يراوده من أسئلة. فالطفلة جنوبة، الغينيّة، تصرّح بأنّها في لحظات الضيق لا تجد صديقاً أفضل من الله، ورفيق لها يسأل: «هل كان آدم وحوّاء أبيضَي البشرة أم أسوَدين؟». والسؤال الممضّ الذي ينبثق في الذهن في خاتمة المشاهدة هو التالي: هل هذه السنة الدراسية الاستثنائية في صفّ استقبال المهاجرين الصغار سنة عابرة قد تستحيل مجرّد ذكرى بعدما يتوزّعون على مختلف المدارس ويواجهون الواقع الصعب، أم سيكون لها أثر باقٍ وتشكّل مدماكاً قويّاً في تكوينهم النفسيّ والفكريّ؟

(باريس ـ الاتّحاد).

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا