• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

بذرة الحرب الأهلية بذرها مشار ولام كول وظلت تنمو داخل الأرض وكانا مصدر ضعف في صفوف الحركة الشعبية أيام حكومة الوحدة الوطنية

جوبا.. بذرة الحرب الأهلية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 17 يوليو 2016

عبدالله عبيد حسن*

أخبار القتال والمعارك الشرسة التي دارت رحاها في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان كانت صادمة لكثير من السودانيين الطيبين في الشمال والجنوب، فالصراع ومآسيه وتداعياته ينذر بأن الجنوبيين افتتحوا الطريق الذي سيقود إلى تمزيق أوصال وطنهم، إلا أن الرأي العام السوداني الواعي شمالاً وجنوباً ما زال مشدوداً إلى فكرة الوحدة التي تحقق الأحلام والآمال الكبيرة في وطن واحد بالعدالة والمساواة والتنمية الاقتصادية والسياسية «في وطن ديمقراطي نبنيه بسواعدنا».

إن أخبار الجنوب المحزنة والقتال والحرب غير مفهومة وغير معقولة الأسباب وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة في بيانه شديد اللهجة الطرفين «رئيس الجمهورية الجنرال سلفاكير، والدكتور رياك مشار إلى إيقاف هذه المأساة التي يتعرض من جرائها الأطفال والنساء والمسنون للخطر، وتدمر ما تبقى من دولة جنوب السودان، وتهدد سلام الجنوب الذي رعاه المجتمع الدولي، وتزيد من تهديد أمن وسلامة جيران الجنوب والاستقرار والأمن الأفريقي».. وعلى الرغم من دعوة أمين الأمم المتحدة الطرفين لإعادة القوات المسلحة إلى ثكناتها، وإيقاف حرب الشوارع، التي استجاب لها الطرفان وظهرا في مؤتمر صحفي في جوبا وناشدا بصوت واحد الجنود والمليشيات، إلا أنني أعتقد أن في حديثهما بعض الصدق لأن الحقيقة المؤلمة هي أن هذه القوات الشيطانية التي خرجت من باطن الأرض والتي أسسها وتقوَّى بها كل منهما قد أصبحت قوات متمردة على كل منهما وأصبحت قيادتها في أيدي بعض زملائهما السابقين من جنرالات الحركة الشعبية الخارجة عن قيادة الدولة والقيادة العسكرية لدولة جنوب السودان.

وما يجري الآن في الجنوب ليس حدثاً جديداً وإنما هو امتداد لتاريخ قديم من النزاعات والحروب القبلية الصغيرة.. امتداد لتاريخ في مسيرة الشعوب التي فُرض عليها التخلف السياسي والوعي الاجتماعي. وقد حاول تجاوز ذلك جون قرنق بحكم السيطرة عليه بمشروعه الوطني الذي كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان أداته وأجندته وشعارها السودان الجديد. وفي صفوف جند الحركة الشعبية جمع قرنق الدنكاوي والشلكاوي والنويري وكل بطون وفروع القبائل الجنوبية، ولكن الحرب ومشاكلها لم توفر له وقتاً لبناء حزب يتجاوز به الصراعات والخلافات القبلية الجنوبية. وكذلك لم يكن بعض مساعديه من المثقفين وجنرالات الحرب الجنوبية على قدر مكانته السياسية، ولم يكن إيمان هؤلاء المساعدين بميثاق الحركة ومشروعها بذات الدرجة، وذلك ما بذر بذرة الحرب الأهلية الدائرة اليوم، ومن قبل استقلال وقيام دولة جنوب السودان. وعندما بدأت أخبار المعارك الأخيرة تتواتر في الخارج عادت بي الذاكرة إلى أيام كئيبة في تاريخ الحركة الشعبية لتحرير السودان في أواخر القرن الماضي عندما وقع ذلك الحادث الإجرامي في مدينة الناصر الجنوبية حين قامت وحدات من جيش الحركة الشعبية مكونة في غالبيتها من قبيلتي النوير والشلك وبقيادة القياديين البارزين في الحركة الشعبية ومكتبها السياسي د. رياك مشار ولام كول، بمذبحة بشرية كان ضحاياها من قبيلة الدنكا، قبيلة جون قرنق ورئيس أركان الحرب في جيش الحركة آنذاك سيلفاكير. ولا تزال جراحها تنزف في العقل القبلي الدنكاوي.

ووقع الانقسام الأول الكبير في تاريخ انقسامات الحركة التي توصف بالانقسامات السياسية ولكنها في الواقع خلافات وصراعات قبلية.. إلا أن انقساماً أثبت لرياك مشار ولام كول أن خروجهما من صفوف الحركة الشعبية لن يتبعه خروج أبناء الشلك والنوير الشباب الذين التحقوا بالحركة منذ صغرهم وتربوا في أحضانها وتلقوا تدريبهم العسكري ضمنها.

وقررت قيادة الحركة الشعبية تحرير الناصر (استعادة الناصر من أيدي المتمردين) وكان الجنرال سيلفاكير هو القائد العسكري لحملة الناصر الناجحة.. وقد كانت تلك العملية ذات وقع شديد على جون قرنق وجعلته يدرك أين موقع الخطأ والصواب في الحركة. أما مشار ولام كول فقد دفعت بهما الطموحات الشخصية إلى صفوف اتفاقية القصر، وقد مشى مشار تحديداً إلى نهاية الطريق وأعلن قيام حزب استقلال الجنوب، ولكن أيام عسلهما مع حزب المؤتمر الحاكم لم تدم كثيراً وعادا إلى صفوف الحركة الشعبية ووافق قرنق على عودتهما تحت ضغوط كبيرة وكثيرة، وكان الذين ضغطوا عليه ينظرون إلى الأيام القادمة، أيام مفاوضات الحركة والنظام السوداني التي تمخضت عن اتفاقية نيفاشا وبقية القصة معروفة.

ولكن بذرة الشقاق والحرب الأهلية التي بذرها مشار ولام كول ظلت تنمو داخل الأرض وكانا مصدر ضعف في صفوف الحركة الشعبية أيام حكومة الوحدة الوطنية التي تبوأ فيها لام أعلى المناصب السيادية (وزارة الخارجية).

ولن تفلح نداءات الأمين العام للأمم المتحدة للطرفين في اقتلاع بذرة الحرب الأهلية من الأرض. وقد يتمكن الطرفان من إيقاف القتال.. ولكن علاج واقتلاع شجرة الحرب الأهلية يبقى مشروعاً وأملاً صعب التحقيق إلا على أيدي أجيال من شباب الجنوب.

*كاتب سوداني مقيم في كندا

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا