• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م
  12:01     مصادر أمنية: مسلحون يقتلون جنديين شمال لبنان     

صدر ضمن برنامج دبي الدولي للكتابة

«دم فاسد».. طفلة متبناة ووحيدة في مواجهة العالم

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 16 يوليو 2016

عصام أبو القاسم (الشارقة)

تدخل الروائية الإماراتية الشابة نورة محمد في عملها الأول «دم فاسد»، الذي صدر أخيراً ضمن برنامج دبي الدولي للكتابة، عالم أطفال التبني، وتحكي عن تعقيداته النفسية وكلفته الاجتماعية ومصائره الحزينة والمفجعة، وذلك من منظور الطفلة «هند»، التي انتبهت فجأة إلى حقيقة أنها متبناة، وأن من كانت تحسبهما والديها، «سارة» و«أحمد»، جاءا بها من دار للأطفال مجهولي الأبوين إلى بيتهما، الذي ستكبر فيه حتى تبلغ عامها العاشر، وهي وليدة لم تفطم بعد عن الرضاعة، بعد أن أعيتهما المحاولات ومقابلات الأطباء من دون أن يرزقا بطفل.

الرواية المحكية بصوت الطفلة المتبناة، تبدأ بمشهد متأخر، يصور «هند» وهي تتهيأ للانتقال إلى عائلة أخرى، وقد بدت مذعنة ويائسة وليس في وسعها أن تقرر شيئاً، وهي تتخيل ما سيكون عليه حالها في بيت هذه العائلة الجديدة، والتعليمات والأوامر التي يجب عليها أن تلتزم بها، هي الغريبة والشريدة والشقية التي لُفظت منذ حين من بيت العائلة التي أحبتها وعرفتها وعاشت كل أيامها الأولى في كنفها.

عاشت هند في بيت الزوجين الأولين أياماً جميلة برفقة عيسى الذي تظن أنه ما كان سيولد لولا قدومها إلى المنزل، فمعها جاءت «البركة»، كما قيل لها، وحملت الأم الشابة بوليدها الوحيد بعد أن فقدت كل أمل في ذلك؛ فهي تداوت بكل دواء وطافت هنا وهناك ولكن من دون جدوى، وفي النهاية رضخت واستعاضت عن حلمها في إنجاب طفل بتبني الطفلة هند.

حظيت الطفلة المتبناة بحب سارة وعنايتها، وقد بلغ الأمر بالأخيرة درجة إرضاعها مع المولود الجديد لتشد أواصر الأخوة بينهما، إلا أن الجدة «مريم»، المسكونة بتقاليد العائلة وشرفها، كانت تنظر إلى الصغيرة بوصفها «دم فاسد» يجب إزاحته حتى لا يدنس سيرة العائلة، وخصوصاً مع ولادة الطفل، بيد أن «سارة» كانت تصر على الإبقاء على الطفلة واحتضانها. ويبدو هنا كما لو أن الكاتبة شاءت في المقابلة التي نسجتها بين الجدة والأم في علاقتهما بالطفلة، أن تظهر التغير الذي يطرأ على القيم المتعلقة بالعائلة والأمومة والنسب، من منظوري الماضي والحاضر.

وتتنقل الكاتبة بين فصول رحلة الطفلة من دار رعاية للأطفال مجهولي الأبوين إلى العائلتين، عبر تقنيتي التعليق والاستعادة، على نحو ينوّع في إيقاعية السرد ويزيد من سرعتها، كما ترسم عبر لغتها الوصفية، ومن خلال بعض التعبيرات وردود الفعل الطفولية، صورة للعالم كما يبدو في ناظري طفلة ملاحقة بماضٍ مضطرب لا يد لها فيه.

لا صوت في الرواية سوى صوت الطفلة الصغيرة، ونحن نتعرف على الآخرين ومواقفهم بالقدر الذي تسمح به حكاياتها، وهي التي دائماً ما تلجأ لغريزتها في الفرز بين الناس، إذ إنها لا تحاورهم أو تكلمهم إلا نادراً. ولا تملك الطفلة أية ذكرى عن والديها، ولكنها تستوهمهما، فترى أمها أحياناً بين العابرين، تبحث عن غريب (تشتكين إليه هموماً أرهقت قلبك، عما فعله أبي بك، عن تركه لك، أنا أعلم بأنك كنت تثقين به)، وفي حين آخر تناديها وتعاني فقدها وبعدها، كما يلازمها الحال ذاته تجاه أمها الثانية.

وبرغم أن الأسرة الجديدة تتيح لها كل شيء فإن الطفلة تبقى في صراعها مع مشاعر الاغتراب والخوف والترقب، وتداري عاطفتها حتى لا تقع في حب السيدة الجديدة أو زوجها لئلا يصدمها فقدهما لاحقاً، وتحت وطأة هذا الإحساس الثقيل بالفقد والوحدة، الذي تكثفه الكاتبة عبر جملة من الوحدات السردية المنولوجية والتذكارية، تترسم الطفلة مسارها في حياة سرعان ما تقتنع أنها غير مؤهلة لعيشها كالآخرين.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا