• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

ساخرون

الجهاز يصفّر والفيلسوف يثرثر

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 12 أبريل 2014

كنت أجلس مطأطئ الرأس في غرفة العناية المركّزة إلى جانب صديق لي تعرض شقيقه لإصابات خطيرة نتيجة حادث دراجة نارية، حين دخل إلى المكان رجل وقور بدا لي أنه من أقرباء صديقي.

جلس الرجل إلى جانبنا بعد أن ألقى نظرات الأسى على الشاب المسكين الذي كان يرقد في غيبوبة، وفي أثناء حديثه مع صديقي عن الذي جرى، سمعنا صفيراً يصدر من الجهاز الطبي الموصول بالمصاب، فقال صديقي إنه صوت عادي يصدر بين الحين والآخر، لكن قريبه امتقع لونه ووقف مقترباً من الجهاز وأخذ يتمتم بكلام فحواه أن الحالة تزداد سوءاً، فالبيانات المقتضبة التي يصدرها الجهاز لا تبشّر بالخير، والرسوم البيانية للحالة تظهر على الشاشة وتختفي بسرعة غير مألوفة.

عند هذه اللحظة، رفعت رأسي ونظرت إلى صديقي لأرى ما الذي علينا فعله، لكنه أومأ لي برأسه بما يعني ألا أبالي بما يقوله قريبه، لكن الرجل استدار نحونا وقال إنه لا بد من إرسال المصاب إلى الخارج ليتلقى العلاج في المستشفيات المشهود لها بالكفاءة، وقال إنه يبرئ ذمته أمام الله وأمام هذا المسكين الذي لا حول له ولا قوة، وأن المصاب لو كان شقيقه لأخرجه فوراً من عند هؤلاء الجزّارين ولطار به إلى أميركا.

وبدا لي أن صديقي غير مدرك لمدى خطورة حالة شقيقه، إذ لم يرد على كلام قريبه كأنّ الأمر لا يعنيه، وأخذ يعامله كأنّه غير موجود أصلاً، رغم أن الرجل لم يكن يتحدث من فراغ، فقررت بيني وبين نفسي أن أكلمه بعد مغادرة قريبه، لمحاولة إقناعه بنقل شقيقه إلى الخارج، فأنا في النهاية مجرد صديق من خارج العائلة، وربما كان صديقي أحمق يعتقد أن قريبه يمارس الوصاية عليه حتى لو كان الثمن هو روح شقيقه، أو ربما كانت هناك خلافات عائلية سابقة بينه وبين هذا الرجل تدفعه للمكابرة والإصرار على موقفه الرافض لمجرد تحويل شقيقه من غرفة إلى غرفة، وليس من دولة إلى أخرى، كما قال أخيراً بنبرة غاضبة.

كان صديقي وقريبه لايزالان يتجادلان في الموضوع حين تخيلت أنني قد أكون في أحد الأيام مريضاً وفي غيبوبة، وأهلي يتجادلون فيما بينهم بشأن أفضل السبل لإنقاذ حياتي، وأخذت أستعرض وجوه أفراد عائلتي لأختار من بينهم شخصا مشهودا له بالحكمة والرأي السديد، ليكون هو صاحب القرار لو حصل لي مثل ذلك لا سمح الله، إذ ليس من المعقول أن تكون حياتي رهن العناد العائلي.

وفجأة أزاح قريب صديقي الستائر التي تفصل الغرفة عن صالة العناية المركّزة، وأخذ يصيح على الممرضات لإنقاذ المصاب قبل أن تخرج نفسه، وفعلاً حضرت ممرضة على عجل، فأشار ذلك الرجل إلى الجهاز الموصول بالمصاب وهو يوجه لها كلمات السباب باللغة العربية التي لا تجيدها الممرضة، بينما وقف صديقي وأمسك بيد قريبه محاولاً إخراجه من الغرفة، وفي هذه الأثناء قررت المغادرة، خصوصاً أن بعض النساء من عائلة صديقي بدأن في التوافد على المكان بعد الضجة التي حدثت. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا