• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

أذاب إيقاعات الطبول في الدائرة الروحية

نجا المهداوي: حررتُ الحرف في «غَمرة»!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 يوليو 2016

نوف الموسى

أن ترتفع فوق المعنى، ليس هو أن تسأل عن المعنى، بل أن تجعله يمر عبرك، خلالك، بينك، دونك، وفيك، ولك، دون أن تفقد أنت معناك، نشوتك، فيضك، كينونتك، سحرك، بذرتك، وشجرتك، وازدهارك وحضورك.. أن ترتفع فوق المعنى، ليس هو أن تسأل عن المعنى، ولكن أن تموت في الحياة ألف مرة، وبعدها تكفيك ولادة واحدة! أن ترتفع فوق المعنى، ليس هو أن تسأل عن المعنى، إلا إذا امتلأت فراغاً، ووقتها لا تسأل أيضاً عن معنى الفراغ، ستفقد حتماً مبتغاك في الوصول إلى شيء يشبه الـ «غَمرة».

أدندنُ وأدندنُ وأدندنُ، تلك الكلمات، أحاول وأحاول أن أجردها من المعنى، أوصاني بها الفنان التونسي نجا المهداوي، ولا أعلم، هل سأضع صفة «تشكيلي» قبل اسمه، وهو الذي يعتبر مفهوم (التشكيل) صنعة مخادعة، تفصل بين الإنسان والإبداع اللحظي للحياة، قالها بصوت هادئ: «أخط يدي على اللوحة، وأهتم باقتصاد السوق، وسياسة أن اشتمَّ وردة، وأُقدر الرفقة، وأنسجم مع حركة الإنسان العادي». ومع كل محاولاتي في كشف أغوار الحروف العربية الفاتنة التي رسمها نجا المهداوي على جلد الطبول، كالمناجاة، والعبور للجلوس بين الحضرة والحضرة كما أسماها نجا، وجدتُ نفسي أنصت لإيقاعاته في الدائرة الروحية، الذائبة في ما يراه تحريراً كاملاً للحرف من الكلمة والخطاب ولعبة المعنى، وصولاً إلى أن يتحدث الحرف بنفسه.

«غَمرة».. باختيارها عنواناً لمزاوجة فنية ساحرة بين الموسيقى ورقصة الحرف العربي، شكلت خيطاً رفيعاً نحو التجربة الصوفية، وقد قلتها لنجا المهداوي، كالتي تقطف استعارةً مكنية أو مجازية، ناحية التودد لشجرة الحياة ومعجزة الإنسان والكون، ليسألني: ماذا تعلمين عن الصوفية، الدخول فيها صعب جداً، وغَمرة هنا، تستكين إلى تلك ال «التخميرة» و«النشوة» بأبعاد الفكر والجسد والروح. والجمال في ما أتقنه نجا المهداوي، هو إتيان الرحلة الروحية، بين أهداب الأعين المتطلعه للتجربة، وتبسيط فعل الإبداع الكوني، بين غَمرة الشدة، وغَمرة الفرح، وغَمرة الظلال، وغَمرة الاقتحام، وغَمرة البحر، وغَمرة الحقد، وغَمرة الظلم، وغَمرة الاتساع، وغَمرة الضيق، وغَمرة الجنون، وغَمرة القبح، وغَمرة الخير، وغَمرة العشق، وغَمرة الرضى، وغَمرة الغفلة، وغَمرة العلم، وغَمرة الهيام، وغمرة الفرج، وغمرة الاتزان... واستخدام كلمة «غَمرة»، في هذا النسق، تبعث في النفس الذهول، فهي كالداعي للمعنى بلا معنى، يكفيك فقط أن تضع حركة «الضمّة» على حرفها الأول «غُمرة»، ليصبح معناها «زعفران»، تلك النبته المائيّة من فصيلة عرائس الماء.. إلا أن زينة حركة ال «الفتحة» في أول حرف، وضع لها خاصية الانعدام للمعنى والكثافة في مخزونها النابض بالحياة، ولا شيء سوى الحياة!

الحرف.. سلطان!

رسوم الحرف على جلود الطبول، لدى نجا المهداوي، لم تصنع شكلاً رمزياً بديعاً، وكفى، وإنما تجاوزتنا للصمت، وأحيت الطبول، كما يحيي النفخ قصب الناي، إنه الاتساع في الاتساع، تمرر روحك بين الأشياء، لتمارس حس إدراك ذاتك، قالها نجا بنفسه وبعبارة صريحة: «أخذت مفهوم الوعي من الداخل، بأنه الانفجار الذي لا محالة منه، ولا مناص أيضاً. والاجتهاد العميق، يتيح دائماً فرصة تقديم شيء ما للمجتمع، وهذا ما جرى في معرض «غَمرة». ومدى الإدراك بحدس (السلطنة) التي يقدمها الحرف، كآلة العود، فيها ومنها، يكمن في ما أسميه التحرر. قرون ونحن نعيش التقليد، وأسطورة الأجداد. لستُ في موضع يخالف جانباً تاريخياً، وإنما أفتش عن منافذ تفتح مسارات التقوقع والعقم الفكري، إذ يجب أن نخلق أرضيات جديدة، ونغير المرجعيات، بإيمان يجسد أننا جميعاً نتشارك في إرث واحد، ونكف أيدينا عن غلق الأبواب. وسيبدأ تشكُّل سيرتنا كأفراد، عندما نعي بكامل قوانا الحسية والروحية، أننا خارج مخططات الآخرين، ونبني بذلك فرديتنا». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف