• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

متحدثاً عن بودلير

إيف بونفوا: الحقيقيون لا يحتمِلُهُم أحَدْ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 يوليو 2016

هاشم صالح

الشخص الذي رحل عنا مؤخراً لم يكن شاعراً كبيراً فقط، وإنما ناقد ومنظِّر للشعر من أعلى طراز. لقد ولد ايف بونفوا في مدينة «تور» المستلقية على شواطئ نهر اللوار وسط فرنسا العام 1923. وهناك توجد أجمل قصور ملوك فرنسا، ما عدا قصر فرساي الشهير القريب من باريس. ثم رحل مؤخراً عن عمر طويل يتجاوز الثالثة والتسعين. بعدما احتل أرفع المناصب الجامعية في فرنسا والعالم كله. وأصبحت دراساته مشهورة عن الشعراء الآخرين، وبالأخص رامبو، وأتذكر أني عندما اشتريت كتابه الجميل المصور المصقول عن رامبو، رحت أتصفحه بكل شغف في شوارع باريس وحدائقها قبل عشرين سنة. لم أستطع انتظار الوصول إلى البيت لكي أفتحه وأتعرف على ما فيه، ولكن هذا ينبغي ألا ينسينا غرامه بشاعر آخر كبير هو بودلير.

ويمكن القول إن «ايف بونفوا» من الشعراء القلائل الذين ينجحون في كتابة الشعر والتنظير له في آن معاً. وبالتالي فعندما يعطي رأيه في شاعر كبودلير أو كرامبو فينبغي أن نصغي إليه، لأنه ينفذ عادة إلى عمق الأشياء، والواقع أنه كرس لهما معظم حياته، فعلى مدار خمسين عاماً ما انفك يتحدث عن بودلير ورامبو، أو رامبو وبودلير. وعلى أي حال فهما أعظم شعراء الحداثة في فرنسا وربما في العالم.

يقول في إحدى مقابلاته: إليكم الآن الديوان الأساسي لشعرنا كله: أزهار الشر. فحقيقة الكلام التي تمثل الصيغة العليا للحقيقة لم تتجل أبداً في كتاب آخر، كما تجلت في هذا الكتاب، إن حقيقة الكلام تتجاوز كل الصياغات الأخرى. إنها تمثل حياة الروح، وهي ليست حياة نظرية مجردة، أو لم تعد كذلك. وإنما في حالة الفعل. إنها الحقيقة الأصلية الصادرة عن أعماق النفس. إنها متمايزة عن معنى الكلمات، وأقوى من الكلمات.

لا شيء أكثر من الحقيقة يدفعنا إلى التحدث عن شارل بودلير. ذلك أنه عانقها واستشهد من أجلها، من أجل سواد عيونها. حياته كانت رخيصة في سبيل ذلك. إن أكبر نقد في العالم يتراجع أمام ذلك، ويعترف بإطلاق الحدث الشعر: أي بصفته المطلقة. أما فيما يخص بودلير الذي تعذب وتألم أكثر من أي شخص آخر، فلنتركه يرتاح. رغبته كانت في التواصل مع ما هو كوني. وكان له الحق أن ينصهر أو يمحى فيه كقطعة موسيقية. كان له الحق أن يتلاشى في الغيوم..

ولكن قد يحصل أحياناً أن تتجسد الروح في شخص ما. وأقصد بذلك أنه قد يظهر شخص معين يكرس حياته كلها من أجل الحقيقة. وبالتالي، فإنه يعرض نفسه لمتاعب وضغوط هائلة. وعندئذ يحصل سوء التفاهم بينه وعصره، ثم ينفصل عن عصره بسبب التفاهات والسخافات. عندئذ لا يفهمه عصره...عندئذ يقلص إلى أفضل ما فيه، إلى الأكثر غموضاً في شخصه، ويتخذ ذلك شكل الروح. وهكذا يضطر لأن يمثل ما هو أساسي في عصره، لكي تفهمه الأجيال التالية وتعيش عليه. إنه يضحي بعصره من أجل العصور اللاحقة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف