• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

تسللت إليها بسبب جوهرها المادي

خطوط شيطانية في لوحة الحداثة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 يوليو 2016

حنا عبود

ابتدأت معالم لوحة الحداثة تظهر منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وبعضهم يرى أنها بدأت منذ النهضة واتضحت مساراتها في عصر الأنوار، وتكاثرت المدارس والمذاهب والاتجاهات فيها، لكنها كلها تحافظ على سمة واحدة هي «الواقعية»، أو «المادية»، أو «القيم الأرضية».

مهما ابتعدت الحداثة عن الوقائع المادية، ومهما أوغلت في الأدب والفلسفة، فإنها تبقى محافظة على الاتجاه المادي الذي يشكل جوهر الحداثة، ومن هذا الاتجاه تسللت الخطوط الشيطانية، ولننظر في أعلام الحداثة خلال القرن التاسع عشر، إنهم: ماركس، باكونين، شتيرنر، شوبنهور نيتشه، وفرويد... وسواهم من أصحاب الاتجاه المادي.

لا نجد ذكراً لفيلسوف عظيم، مثل كانط أو هيغل... ولم تعتبر السريالية حداثة إلا لأنها ظهرت في عصر الحداثة، ولأنها جعلت الواقعة منطلقاً لها، وليست النظرية، فتداعي الأفكار واقعة مادية، ولو لم تتجسد مادياً، وتسجيل هذا التداعي يجعل غير المادي مادياً، وحتى التهويم يتحوّل، عندما يسجَّل، إلى واقعة، وبهذا يخلقون مدخلاً إلى المعنويات والروحانيات من باب الماديات، وخلاصة ما نريد قوله إن الحداثة تقوم على «المادية» الفلسفية، أو النظرة الواقعية.

قد نسمع بالبنيوية وما بعد البنيوية، والنسوية وما بعد النسوية، والفوضوية وما بعد الفوضوية... وسوى ذلك من الاتجاهات... لكنها كلها تقوم على التحليل المادي، كلها تنطلق من السعي إلى الإمساك بالحيثيات «المادية» التي تشكل الظاهرة، بغرض إبعاد «الأيديولوجيا» عن العبث وتعكير سياق الترابط والتفاعل في صورهما المادية، وقد تجرأ ألتوسير وأعلن ما بعد الماركسية، للتخلص من الأيديولوجيا.

جاءت لوحة الحداثة هذه مناقضة للوحة العصور الوسطى، التي هي لوحة بعيدة عن «الواقعية» و«المادية»، فهي ترسم هذه اللوحة من المفاهيم المجردة، من عالم لا يمكن إثباته، وبالتالي لا يمكن إنكاره، إنها ترسم بريشة الحاضر لوحة الغائب، وقد بسطت القوى الدينية سيطرتها على ضفتي المتوسط، بمفاهيم مجردة، لا علاقة لها بالمعنويات، إنها تعزو للغائب سلطة مطلقة، فهو يحكم الجميع، ولا يحدث شيء إلا بإذنه، ولا يحصل تغيّر أو تطوّر إلا بموافقته، أو رضاه... وبما أنه غائب، فلا بد أن يكون هناك من يمثله في الحضور العيني للبشر، ومرّت العصور الوسطى كلها وهي تحت سيطرة الحاضر الممثل للغائب. وأحكامه نفسها يضعها من يمثله في الحضور البشري، ولو قارنّاها بلوحة الحداثة لكنا أمام لوحتين متناقضتين كل التناقض، ولا مجال للمصالحة بينهما، فإما القبول بسلطة الغائب، كما يمثلها الوكيل البشري، وإما الدخول في الحداثة، أي اعتماد الأسس العينية الواقعية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف