• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

الاقتصاد الروسي.. هل يفلت من العقوبات؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 30 مارس 2015

ارتفعت في الأسبوع الماضي احتياطات البنك المركزي الروسي لأول مرة منذ شهر يوليو الماضي، في مؤشر واضح على أن الاقتصاد قد يكون تجاوز حالة الارتباك التي استبدت به السنة الماضية عقب التراجع الحاد في أسعار النفط. هذه المؤشرات الإيجابية للاقتصاد الروسي التي ربما أقنعت الحكومات الغربية بأن العقوبات الاقتصادية ليس لها تأثير واضح على روسيا، وأن نظام فلاديمير بوتين والبلاد التي يديرها ما زالا بعيدين كل البعد عن انهيار وشيك، فقد خسرت روسيا أكثر بقليل من ربع احتياطاتها من العملات الأجنبية منذ أواسط يوليو الماضي 2014، وقد كانت هذه الخسارة أكثر وضوحاً في ديسمبر الماضي عندما حاول البنك المركزي بشتى الطرق وقف تدهور سعر صرف الروبل مقارنة بالدولار، لكن هذا الانحدار الأقل من المتوقع يمكن أن يفسر بطبيعة الاقتصاد الروسي وبنيته أكثر من استنزاف فعلي للعملات الأجنبية.

ففي شهر يناير الماضي كانت روسيا تملك في احتياطاتها 131.8 مليار من الديون الأميركية، إلا أنه بعد تدهور العلاقة مع الولايات المتحدة على خلفية مواقفها من أوكرانيا وضمها للقرم، شرعت موسكو في تقليل احتياطاتها من الدولار ورفع حصتها من اليورو والذهب، وفيما سجلت الاحتياطات الروسية تراجعاً بنسبة 23.9 في المئة، إلا أن أصولها من الديون الأميركية انخفضت بنسبة أكثر بلغت 37.6 في المئة لتصل إلى مبلغ 82.2 في المئة، لتصبح الأصول الروسية من سندات الخزينة الأميركية أقل من نظيرتها لدى تركيا وإيرلندا وسنغافورة.

ولأن إجمالي قيمة الاحتياطات الأجنبية يفترض أن تكون بالدولار، فإن أصول روسيا المعتمدة على اليورو في إطار سياسة تنويع احتياطاتها تعرضت للتراجع بسبب انخفاض سعر صرف اليورو مقارنة بالدولار، وهكذا لم يعد البنك المركزي الروسي بحاجة إلى دعم عملتها المحلية بامتلاك كميات كبيرة من الاحتياطات، كما أن أداء العملة الروسية كان جيداً خلال السنة الجارية بسبب، في جزء منه على الأقل، تعافي أسعار النفط قليلًا، التي عاودت الارتفاع منذ شهر يناير الماضي، ولكن أيضاً بسبب السياسة الروسية نفسها التي أبقت على سعر فائدة مرتفع وصل إلى 17 في المئة منذ مطلع السنة الجارية، وتقريباً 14 في المئة اليوم، ما جعلها قبلة جاذبة وإن كانت خطرة لما يعرف بتجارة المناقلة، وهي شراء عملة في بلدان ذات نسبة فائدة منخفضة وتحويلها إلى عملات أخرى ذات فائدة مرتفعة، أو الاستثمار هناك ما يضاعف العائد.

ولأن اليورو لم يرتفع إلا بنسبة 3 في المئة مقارنة بالدولار منذ نهاية 20 مارس المنصرم، فقد ارتفعت الاحتياطات الروسية بواقع 1.2 مليار دولار، هذا الواقع يغير العديد من التكهنات السابقة بشأن الاقتصاد الروسي ومنها التقرير الذي أصدره في الشهر الماضي «أندريس أسلوند» من معهد بيترسون للاقتصادات الدولية، والذي رهن فيه الاقتصاد الروسي باحتياطاته من العملة الصعبة، حيث كتب «أسلوند» محذراً: «يقترب وضع الاحتياطات الروسية من مرحلة حرجة، ففي الوقت الحالي تخسر روسيا أكثر من 10 مليارات دولار في الشهر، ما يعني أن أزمة حقيقية في حجم الاحتياطات الأجنبية ستنفجر قريباً في روسيا»، لكن ذلك لن يحصل إلا في حال انحدار أسعار النفط مجدداً إلى مستويات جد متدنية.

وبشأن أسعار النفط تتضارب توقعات الخبراء الذين يضعونها بين 50 و90 دولار للبرميل خلال الربع الأخير من السنة الجارية، لكن وفي جميع الأحوال وأياً كانت أسعار النفط، تقول التوقعات الحكومية الراهنة: إن الاقتصاد الروسي سيتقلص بنسبة 3 في المئة، إلا أنه في حال ارتفع سعر النفط بأكثر مما هو مبرمج في الموازنة الروسية، فإن التراجع الذي يعد أمراً لا مناص منه لدواع بنيوية وأيضاً بسبب أسعار الفائدة المرتفعة التي وضعتها روسيا للدفاع عن عملتها، لن يكون بالقدر المتوقع.

لكن ما هي الخلاصة من كل هذا التحليل؟ الحقيقة أن ارتهان روسيا للنفط يظل قائماً ومؤسفاً أيضاً بالنسبة لبلد كبير مثل روسيا يجب أن ينتظر ما ستؤول إليه الصراعات الإقليمية مثل اليمن من تأثير على أسعار النفط، غير أن الأهم من ذلك أن الاقتصاد الروسي لن يتأثر كثيراً بالعقوبات الغربية التي يبدو أنها لم تنجح حتى الآن في التضييق عليه، فهي وإن كانت تزعج بعض الشركات الروسية، إلا أن الاقتصاد الروسي يتفاعل أكثر مع تطورات أسواق النفط وصرف العملات الأجنبية من تأثره بالتجارة والحد من التمويل.

ليونيد بيرشيدسكي*

*كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «ينشر بترتيب خاص مع خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا