• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

تزامن صدور التقرير الأممي المحذر مع موجة من العنف الطائفي في محافظة ديالى، شمالي شرق بغداد، التي كانت معروفة بتنوعها الطائفي والمذهبي

العنف الطائفي المنسي في العراق!

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 23 يناير 2016

هاورد لافرانشي*

انصبّ تركيز العالم في الشهور القليلة الماضية على الحرب الأهلية السورية وموجة اللاجئين المتدفقة على أوروبا. وكل هذا التركيز على سوريا حرم مدنيين عراقيين من الاهتمام الذي يستحقونه. ولكن تقريراً جديداً صدر عن الأمم المتحدة رصد العنف الذي كابده مدنيون في العراق على مدار العامين الماضيين، ورسم صورة مثيرة للقلق لمجتمع متنوع تحت الحصار. ويلقي التقرير الذي نشر مؤخراً الضوء بصفة خاصة على ما يصفه بتهديدات «إبادية» تواجهها الأقليات العرقية في البلاد من طرف «داعش».

ويرصد التقرير مقتل ما يقرب من 19 ألف مدني في عنف طائفي، واستعباد بضعة آلاف من النساء والأطفال لدى «داعش» بين يناير 2014 وأكتوبر 2015. وذكر التقرير أيضاً أن أكثر من ثلاثة ملايين عراقي نزحوا داخل البلاد، وأن مليوناً من هؤلاء أطفال في عمر الدراسة، مما يكشف الخطر الذي يمثله العنف على مستقبل البلاد. وفي الشهور القليلة الماضية، ظهرت بعض العلامات على تصدي العراق لخطر الانزلاق في مزيد من العنف الطائفي. ولكن التقرير يجدد التركيز على التحديات الخطيرة التي ما زالت البلاد تواجهها، ويطلق نداء لإيقاظ المجتمع الدولي تجاه هذا الوضع الصعب.

وقد تزامن صدور التقرير مع موجة من العنف الطائفي في محافظة ديالى الواقعة شمالي شرق بغداد والتي كانت معروفة بتنوعها الطائفي والمذهبي، وتعايش السنة والشيعة فيها بشكل سلمي. وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت في العام الماضي ديالى منطقة خالية من «داعش». ولكن سلسلة من التفجيرات الخطيرة في الأيام القليلة الماضية في مدينة المقدادية بديالى، التي أعلن «داعش» مسؤوليته عنها، استهدفت فيما يبدو نقض هذا الإعلان. ومن المثير للقلق أيضاً وقوع موجة من العنف ضد سكان ديالى السُّنة بعد التفجيرات. فقد أضرمت نيران في مساجد للسُّنة، وأشارت تقارير إلى سيطرة مليشيات شيعية على قطاعات كبيرة من المحافظة وخطفها لسُنة، وانتزاع آخرين من ديارهم لقتلهم.

وعلى رغم الصورة الكئيبة التي يرسمها العنف الطائفي في ديالى وتقرير الأمم المتحدة، إلا أن هناك ما يوحي بسعي عراقي للتصدي للعنف الطائفي. وأبرز هذه العلامات أن الشيخ علي السستاني، أكبر مرجعية شيعية في العراق، أدان الهجمات على مساجد السُّنة في ديالى، ودعا إلى الوحدة بين جميع العراقيين.

وفي الآونة الأخيرة انتزعت القوات العراقية مدينة الرمادي السُّنية من أيدي مقاتلي «داعش». وفي خطوة مهمة أخرى، أرسلت الحكومة مقاتلين سُنة محليين ليفرضوا سيطرتهم على الأحياء التي جرى تحريرها في مسعى للتصدي لللعنف الطائفي ضد السُّنة. وقد اتهم بعض العراقيين الشيعة بعض السكان المحليين بالتواطؤ مع «داعش» خلال سبعة شهور سيطر فيها تماماً على هذه المدينة، التي هي عاصمة محافظة الأنبار ذات الأغلبية السُّنية. ويتوقع مسؤولون أميركيون ومحللون إقليميون اتباع النهج نفسه في شن هجوم للجيش العراقي طال انتظاره لانتزاع مدينة الموصل أيضاً من «داعش».

ويرصد تقرير الأمم المتحدة، الذي صدر بالمشاركة مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، العنف الذي يكابده السكان العراقيون، والضرر الذي طال النسيج الاجتماعي العراقي بسبب عنف «داعش». ورصد التقرير أيضاً انتهاكات ارتكبتها قوات الأمن العراقية ودعم المليشيات الشيعية لها. وكثير من الجرائم والانتهاكات التي وردت في التقرير معروفة بالفعل للعالم من خلال مقاطع مصورة نشرها «داعش» نفسه مثل حز رقاب أو حرق أحياء، أو دفن الأسرى بالجرافات!

وبتوثيق ما يقرب من عامين من العنف في تقرير واحد، لفتت الأمم المتحدة الانتباه من جديد إلى مأزق مدنيين آخرين تم نسيانهم تقريباً في غمرة التركيز الدولي على سوريا. والتقرير يدعم تأكيد المنظمة الدولية بأن «داعش» ارتكب جرائم ضد الإنسانية، واقترف الإبادة. وجاء في التقرير أن «داعش» ما زال ينفذ منهجياً العنف على نطاق واسع و«يرتكب انتهاكات لقوانين حقوق الإنسان الدولية والقانون الإنساني. وهذه الجرائم قد ترقى في بعض الأحيان إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بل والإبادة». وبهذا يسعى التقرير لمحاولة إقامة دعوى لمحاكمة أي من زعماء «داعش» الذين قد يعتقلون في نهاية المطاف في جرائم ضد الإنسانية.

* محلل سياسي ومراسل دبلوماسي مقيم في واشنطن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا