• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

الأفكار لا تنتقل كالعدوى وتحتاج قبل أن تستقرّ في الرّأس إلى أن تحمل على الظّهر

ريجيس دوبريه والميديولوجيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 أبريل 2014

حينما أطلق ريجيس دوبريه Régis Debray لفظ «الميديولوجيا» في كتابه «السلطان الفكري بفرنسا» (Le pouvoir intellectuel en France 1979)، ثمّ أعاد الكرّة في الأسطر الأخيرة من كتابه الشّيّق «الكاتب» (Le scribe, 1980) لم يكن أحد يتوقّع لذلك اللّفظ الرّواج الكبير الّذي بلغ حدّا اقتلع فيه ألقاب نبله من عند دريدا نفسه في آخر لقاء تلفزيّ جمع بين صاحب القراماتولوجيا وصاحب الميديولوجيا. فأن تُؤلّف في تعريف هذا اللّفظ كتب، وينشأ باسمه برنامج بحث، وتظهر مجلاّت متخصّصة كـ «كرّاسات الميديولوجيا» (Cahiers de Médiologie ــ 1996-2002)، و«وسيط، النّقل للتّجديد» (Médium, transmettre pour innover)، تستقطب أكبر الفلاسفة والمتخصّصين في علوم الاتّصال، فتلك هي ابتسامة الحظّ الّتي قلّما تحالف بعض الألفاظ الجديدة في سوق المصطلحات. ولكن قبل كلّ شيء ما الميديولوجيا؟

د. العادل خضر

في هذا المصطلح لفظان «الوسيط» و«العلم»، ويمكن ترجمته بــ «علم الوسائط» أو «الوسائطيّة». فالميديولوجيا اختصاص يعتني بدراسة الوسائط الّتي بفضلها تحمل الرّسائل، وتنتقل الأفكار، وتنتشر العقائد، وتبثّ الأحاسيس. فالميديولوجيا لا تعتني بالمضامين المنقولة وإنّما بالمرتكز المادّي الّذي يحمل تلك المضامين وبطرائق نقلها وكيفيات تأثيرها في العقول والنّفوس. فلا وجود لفكر دون وسيط مادّيّ يكون الحامل الّذي يرتكز عليه، والآلة الّتي يجري بها نقله في الزّمان والمكان.

فالأفكار والرّسائل تحتاج قبل أن تستقرّ في الرّأس إلى أن تحمل على الظّهر، وهي إن كانت تقطع أميالا وأميالا قبل أن يكون لها أنصار وشيعة وأتباع احتاجت قبل ذلك إلى عُدّة تقنيّة من كتب وكتّاب، ووراقة وورّاقين، وأمكنة للتّدوين والتّوثيق والأرشفة والصّيانة والإيداع والتّخزين، وجماعات بشريّة تتنقّل بها أو تتّبع استراتيجيّات مخصوصة في الدّعاية والتّرويج. فمن السّاذج أن نتصوّر الأفكار تنتقل كالعدوى بين الأفراد، لأنّ من شروط انتقالها من مكان إلى آخر هو أن تسمح الطّريق بحمل تلك الأفكار ونقلها. فكثير من الأشعار قد لفّها النّسيان لأنّها لم تتمكّن من مغادرة مجالها الأوّل، وكثير من العلم ضاع أكثره في الطّريق لأنّه استغرق عقودا طويلة حتّى يقطع بعض الأميال.

الحامل والمحمول

تبيّن لنا هذه الأمثلة أنّ علاقة الرّسالة المحمولة بالوسيط الحامل ليست بسيطة. يكفي أن نعود إلى تعريفات الوسيط الأولى الّتي سبقت الميديولوجيا حتّى نقف على تعقّد هذه العلاقة. وتذهب عبارة ماك لوان Mc Luhan الشّهيرة «الوسيط هو الرّسالة Le médium est le message» في هذا الاتّجاه. فهي تعني أنّ الرّسالة، بوصفها مضمون البلاغ، ثانويّة، لأنّ الرّسالة الحقيقيّة هي الوسيط ذاته. فالوسائط عند ماك لوان امتداد لحواسّ الإنسان ولجهازه العصبيّ، وهو يعتبر أنّ كلّ تغيير في وسيط من الوسائط، كتغيير الصّوت بالكتابة، يؤثّر بالضّرورة في أشكال التّرابط بين البشر وعلاقة الإنسان بحواسّه. فكلّ التّكنولوجيّات موظّفة لتنمية قوّة الإنسان ومضاعفة سرعته. فإذا ما ضاعفنا في قوّة مجموعة من العناصر كمضاعفة حجم التّنقّلات والرّحلات بسبب تحسّن الطّريق، وتطوير وسائل النّقل بتوفير الورق وصناعة الكتاب.. فإنّ ذلك يفضي إلى تغيير جذريّ في شكل انتظامها (كانتقال أساس ثقافة تقنيّ ينهض على مركزيّة الصّوت إلى أساس تقنيّ آخر ينهض على مركزيّة الكتابة)، وفي أبنية المعرفة، حين يتغيّر سلوك الأفراد العرفانيّ (كالتّعويل على الذّاكرة الطّبيعيّة، أو الكتابيّة، أو الرّقميّة...). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف