• السبت 29 رمضان 1438هـ - 24 يونيو 2017م

رأي وتحليل

دور نمط الحياة الإسلامي والشباب في الاقتصاد الإسلامي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 28 مايو 2017

عبدالله محمد العور*

ساد لفترات طويلة تعريف شبه مجزوء لمهمة ووظيفة الاقتصاد.. وهو التعريف الذي اقتصر على إبراز دوره في إنتاج السلع والخدمات للجمهور.. إلى أن جاء الاقتصادي الإنجليزي جون مينارد كينز وقال إن الاستهلاك يشكل الجزء الحيوي الأهم في منظومة وشبكة العلاقات الاقتصادية، واعتبر أن الاستهلاك أيضاً محفز للإنتاج والصناعة وتطوير كل الآليات المرتبطة به من نقل وتوريد وتسويق. لا شك في أن كينز أضاف الكثير من المفاهيم على نظريات العرض والطلب، خاصةً في مرحلة ما بعد أزمة الركود الكبير التي شهدها العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهي حالة تشبه حالة المخاض الذي يمر به الاقتصاد العالمي اليوم مع اختلاف المسببات التاريخية.

إن أنماط الحياة وما تشمله من أطعمة وملابس وتعليم وصحة وترفيه كانت ولا تزال أحد أهم محركات الطلب والنمو في الأسواق. وإذا كانت هذه الأنماط قادرة على أن تجمع ضمن إطارها كتلة بشرية كبيرة، كما هو الحال في نمط الحياة الإسلامي، فهذا يعني أننا أمام فرص كبيرة واعدة، تشترط لاستثمارها أن نوازن بين قوة العرض والقدرة على الطلب. بمفهوم آخر، علينا أن نناقش كيفية رفع القدرات الشرائية للجمهور المستهدف، ليكون الحديث عن رفع مستويات العرض منطقياً وقريباً من واقع الأسواق وتحدياتها الراهنة.

لقد بلغ عدد المسلمين في العام العام 2016، قرابة 1.62 مليار نسمة، وهي نسبة تفوق 23% من سكان العالم... وهم منتشرون في كل الدول والقارات، مما يجعل من الاستثمار في أنماط الحياة الإسلامية أمراً سهلاً على المستثمرين من كل الدول، إذ ليس في الضرورة أن تشحن المنتجات للبلدان الإسلامية، فالمسلمون موجودون في كل مكان... كما أن غالبية المسلمين تلتزم أنماط حياة شرعية تحدد لهم نوعاً معيناً من الأكل واللبس والترفيه والتثقيف، والخدمات الصحية والتعليمية والمصرفية، وهذا يعني ثبات سمة الاستهلاك وعدم تعرضها للتبدل الموسمي، وإن كانت تفرض التطوير المستمر للمنتجات إلا أنها تشترط في الوقت ذاته الإبقاء على الأسس الشرعية للمنتج. وإذا استعرضنا طبيعة الأسواق التي تحددها كتل بشرية معينة، سنلاحظ تفوق السوق الإسلامي في كونه يعزز الطلب على منتجات متشابهة مهما اختلف المكان أو الزمان.

لقد توقعت دراسة حديثة نشرتها وكالة الأنباء الإسلامية الدولية (إينا)، أن حجم السوق الاستهلاكية للمنتجات والخدمات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، سيرتفع من تريليوني دولار حالياً ليبلغ 6 تريليونات دولار عام 2020، و10 تريليونات عام 2030.

لقد تنامت وانتشرت ثقافة الوعي بالاستهلاك من المصادر التي تراعي شروط الاستدامة البيئية وسلامة الموارد وأمن عملية الإنتاج وعدالتها.. وهذه المعايير في الإنتاج والاستهلاك تعتبر جوهر ثقافة الاقتصاد الإسلامي ومصدر مشروعية آلياته وأهدافه.

إن ثقافة الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي محددة بشروط لا تقل عن أهمية شروط الإنتاج، فلا يجوز مثلاً الاستهلاك من مصادر لا تحترم سلامة البشر وصحتهم واستدامة بيئتهم. كما لا يجوز الاستهلاك من مصادر لا تراعي البعد الاجتماعي في نشاطها، ولا تحقق العدالة بحق القوى العاملة، ولا تحترم حقوقهم القانونية والمدنية.

إن فهم عقلية المستهلك وعقيدته شرط من شروط نجاح الاستثمار في عالم أتاحت له ثورة الاتصال أن يكون مطلعاً على أدق التفاصيل، ومتابعاً لما يجري على ساحة العالم الاقتصادية.

وثقافة المستهلك الإسلامي ملتزمة بمعايير شرعية ملزمة.. لا تطال فقط ضرورة خلو المنتج من المواد المحرمة، بل وضرورة أن تكون سلسلة الإنتاج بمجملها ملتزمة بمعايير عادلة.

وهذه الثقافة اليوم.. تلتقي مع الثقافات الأخرى غير الإسلامية التي باتت تهتم أكثر بالاستدامة والجودة والعدالة.

لقد أدى تراجع أسعار النفط إلى تحول جوهري في طبيعة اقتصاد دول الخليج، وإلى تركيز الاهتمام على تنمية القطاعات الإنتاجية غير النفطية، الأمر الذي وضع صناعة وتجارة الحلال في مقدمة محركات النمو خلال السنوات المقبلة.

إن الاستثمار في نمط الحياة الإسلامي يتطلب منا استعراض بعض النقاط بشكل واضح:

أولاً: يعاني العالم اليوم من خلل في معادلة الإنتاج والاستهلاك، فمعظم الأسواق يسودها التباطؤ والركود. لذا نعتبر أن الاستثمار في السلع الأساسية للبشر والتي لا غنى عنها سيشكل مدخلاً لتنشيط الأسواق، وإعادة عجلة الإنتاج إلى دورتها الطبيعية، بحيث تكون قادرة على خلق الوظائف واستيعاب العاطلين عن العمل.

ثانياً: ينشغل العالم اليوم بقضية الأمن الغذائي ولا يمكن أن يتحقق هذا الأمن برفع نسبة الإنتاج فقط، بل ومن خلال الالتزام بالشروط والمعايير الإنسانية التي تجعل من هذا الغذاء متاحاً لجميع من يعانون من الجوع ونقص الموارد في العالم. مما يعني أن معايير وأخلاقيات الإنتاج أصبحت اليوم من أهم مقومات استدامة التداول للسلع في الأسواق.

ثالثاً: إن تنشيط إنتاج السلع، التي تلبي احتياجات الشعوب في أنماط حياتها، يتطلب أيضاً الاستثمار في البنى التحتية من جسور وموانئ وشبكات طرق ومواصلات. كما يحتاج إلى لاستثمار في قطاعي التعليم والصحة والبحث العلمي للوصول إلى حلول علمية لمعضلات الإنتاج وفي مقدمتها الجودة والتكاليف.

رابعاً: إن الاستثمار في أنماط حياة الناس يمد الجسور الثقافية والاقتصادية بين الشعوب ويرفع من وتيرة التنسيق والتعاون الدولي لفهم ثقافة استهلاك كل سوق ومحدداته وضوابطه العقائدية والأخلاقية. وهذا الهدف بالذات هو الذي يجب أن نركز على تحقيقه لاستعادة الثقة بين الشعوب والمؤسسات والشركات الاقتصادية من ناحية، واستعادة قيم التنافس التي تصب في صالح المستهلك أولاً وقبل كل شيء.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا