• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

المجتمع الدولي لا يحرك ساكناً تجاه فنزويلا، وتضامنه المعلن معها هزيل. وملايين الفنزويليين الأبرياء الذين وقعوا ضحية الخداع طويل الأمد للشافيزية يحتاجون إلى ما هو أكثر من البيانات

أزمة فنزويلا.. خداع «الشافيزية»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 11 يوليو 2016

موسى نعيم* وفرانسيس تورو**

فنزويلا هي رجل أميركا اللاتينية المريض حالياً، وهي تئن تحت وطأة الشح المزمن في كل شيء من المواد الغذائية والدواء إلى الحرية. وأعمال الشغب والنهب أصبحت أمراً مألوفاً ينفس فيه الغاضبون عن يأسهم، بينما تعيش الصفوة الثورية في ترف وتصدر الأوامر لإطلاق القنابل المسيلة للدموع على الحشود التي تستبسل من أجل الحصول على الطعام. وقبل وقت ليس بالطويل كان النظام الذي أسسه هوجو شافيز موضع إعجاب التقدميين على امتداد العالم. واليوم، في الوقت الذي تغوص البلاد بشكل أعمق في أصعب أزمة سياسية واقتصادية في نصف الكرة الأرضية الغربي، حان الوقت لنطرح بعض الأسئلة الصعبة عن كيف استطاع هذا النظام خداع مراقبين دوليين كثيرين لفترة طويلة للغاية.

فقد حظي شافيز إما بالإعجاب باعتباره صاحب رؤية تقدمية، أو بالاستنكار باعتباره ظاهرة غريبة آخر في العالم الثالث. والواقع أن الحقيقة أكثر تعقيداً من هذا. لقد وضع شافيز كتاباً جديداً في كيفية الفوز بوافر الإعجاب العالمي حتى وهو يفرغ المؤسسات الديمقراطية من محتواها بعيداً عن الأنظار. والخطوة الإرشادية الأولى في الكتاب هي استغلاله الماهر للانتخابات. فقد أدرك شافيز في وقت مبكر أنه مادام أنه يجري الانتخابات ويفوز بها فلا أحد خارج فنزويلا يسأل عما فعله بسلطته. لقد أجاد شافيز الفن المتناقض لتدمير الديمقراطية في كل انتخاب. وذهب الفنزويليون إلى صناديق الاقتراع 19 مرة منذ العام 1999 وفازت الشافيزية في 17 انتخاباً. وفاز النظام بعد أن ملأ الجهات المنظمة للانتخابات بمسؤولين طيعين ومؤيدين للحكومة وبإيقاع الأنصار في شباك الحماية المترفة التي يمولها النفط وبترويع وتهميش الخصوم. وأجدت هذه الحيلة نفعاً لأكثر من عقد من الزمن حتى لم تعد تنطلي على أحد. وبعد كل انتخابات يتم سلخ جزء صغير آخر من الدستور. فقد امتلأت المحاكم وهيئات الرقابة بأنصار الحكومة، وتم القضاء على عمليات المراقبة والتوازن بين السلطات وتآكلت الحريات الأساسية.

ولعب إعصار دولارات النفط التي تدفقت على البلاد دوراً أساسياً أثناء ازدهار النفط بين عامي 2003 و2014، لكنه انتهى بديون هائلة تقدر حالياً بنحو 185 مليار دولار. وخلق استهلاك هائل يغذيه الاستيراد إيهاماً بالانسجام، رغم أن الاقتصاد كان ينهار بعيداً عن الأنظار. وحين انهارت أسعار النفط انتهى الإيهام، ولجأت الحكومة للخطة البديلة، وهي السماح باستمرار الانتخابات لكن مع تجريد كل مؤسسة فقدت السيطرة عليها من كل سلطة. فحين اختارت كاراكاس رئيس بلدية من المعارضة، اُنتزعت منه صلاحياته واُعتقل في نهاية المطاف. وحين منح الناخبون المعارضة أغلبية الثلثين في البرلمان تولت محكمة عليا تم تشكيلها حديثاً مهمة إفساد عملها.

نجح شافيز في رسم صورة لنفسه باعتباره زعيماً نصيراً للفقراء ومعادياً للولايات المتحدة. لكن حتى هذا ليس صحيحاً. فنحن الآن نعرف أن الخطب النارية التي تفيض حباً ودعماً للفقراء كانت مجرد وسيلة لتشتيت الانتباه بعيداً عن تجاوزات كبيرة. وتكشف تصرفات النظام عن احتقار عميق بل ووحشي للفقراء. وهذا العام، واجه النظام احتجاجات المعوزين بالعنف، بينما يغرق السياسيون المقربون في ملذاتهم. وبينما يموت الأطفال حديثو الولادة بسبب الافتقار لأبسط العقاقير في مستشفيات الدولة، تنتقد المحكمة العليا البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة لطلبه مساعدات إغاثة إنسانية دولية.

للأسف تلقي الأزمة الفنزويلية الضوء أيضاً على قسوة القرن الحادي والعشرين. فالمجتمع الدولي لا يحرك ساكناً وتضامنه المعلن هزيل. وملايين الفنزويليين الأبرياء الذي وقعوا ضحية الخداع طويل الأمد للشافيزية يحتاجون ما هو أكثر من البيانات. وأقل ما يمكننا القيام به هو أن نعلن بصوت مرتفع وبوضوح أن قناع ديمقراطية فنزويلا قد سقط، والديكتاتورية التي استخدمتها كغطاء واضحة بجلاء الآن أمام الجميع.

*باحث بارز في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي ووزير التجارة والصناعة الفنزويلي بين عامي 1989 و1990.

** رئيس تحرير ومؤسس موقع «كاراكاس كرونيكلز» للأنباء.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوزسيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا