• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

من حال إلى حال

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 11 يوليو 2016

ركب سيارة أجرة عائداً إلى داره وانطلقت به متثاقلة تجر نفسها وسط الزحام والكثير من نقاط التفتيش على الطرقات، وبينما هو منشغل بالنظر لما حوله من مشاهد بدت غريبة عليه وللتغيير الكبير في أحوال الناس وشكل المدينة والشوارع بالعراق، وعشرات الشحاذين صغاراً وكباراً معظمهم من النساء وفتيات صغار، وباعة يفترشون الأرصفة ويحتلون نصف طريق السيارات يعرضون بضاعة غريبة.. أفلام وأقراص مدمجة لأفلام كانت في الماضي ممنوعة، حبوب ومنشطات تحمل أسماء غريبة ليس لها منشأ معلوم ينادون عليها بعالي الصوت من غير خجل ولا حياء، وأقراص مهدئة ومخدرة ومن مختلف الأشكال. وباعة آخرون بسيارات نقل مختلفة الأشكال يعرضون بضاعتهم وهي أدوات منزلية مستعملة غنائم من البيوت والدور والمنازل المنهوبة للمناطق المحررة على يد مليشيات يأجوج ومأجوج، ورايات سوداء وخضراء وبكل الألوان معلقة في الشوارع وتملأ الجدران وتعلن القضاء على الحضارة وكل أشكال المدنية وحتى بني الإنسان، وصور لعجزة معلقة تملأ المكان تراها في كل أزقة المدن وقراها والتي فرضت على كل المحال التجارية بمرسوم من غير توقيع ولا عنوان، صور لملتحين طاعنين في العمر بعيون مطفأة ماتت فيها الحياة، هم قادة الفكر ورموز هذا الزمان، ولافتات وجداريات تعلن عن مرشحات للبرلمان العراقي، وضعن صور أزواجهن بدلاً من صورهن وهذه بدعة وصرعة عجيبة لم نعلمها من قبل ولا في أي مكان، ولفتت نظري واحدة تحمل شعار الميزان ويعد صاحبها الناس بالعدل وتوفير الماء والكهرباء ومجانية الدواء، وغيره يعد بذلك ويزيد عليه برفع الأجور والعطايا وسقف الحريات، عالم من العبث والفوضى، وضوضاء تصدرها مولدات الكهرباء في كل مكان تصم الآذان، والأزبال والأوساخ تعم كل زاوية في المدينة تتطاير في الهواء من مكان لمكان. ومكبرات صوت تنقل أصواتاً ليست بالصراخ ولا هي بالغناء بل هي مراث من الجاهلية والغباء تغلف عقول سامعيها بالجهل والرياء، وبين كل مظاهر البؤس والضياع رحلت بفكري بعيداً عائداً نحو الزمان وأنا أستحضر صوراً من الماضي العراقي، الجميل حيث الأناقة والنظافة والتنظيم والرقي والجمال، حين كنا مركزاً للثقافة والفن والحضارة، وكنا ننعم بالأمن والأمان، لأقارنه بما أراه اليوم ويؤلم عينيي ويخدش سمعي ويمجه ذوقي ويرفض تصديقه عقلي لما وصلنا إليه من تردٍ وهوان، زمان كان لنا فيه وطن له حدود معلومة تصان، ودولة لها علم وتحمل اسماً وعنواناً، وتراث نفاخر به الدنيا يرفعنا عالياً بين الشعوب والأوطان، وكان عندنا مثقفون وشعراء وكتاب، وعلماء في كل المجالات، وكان لدينا عمارة وبنيان وجيش قوي يذود عنا وشرطة تمنع الفوضى والاضطرابات، ولكننا نعلم اليوم أننا كنا في نعمة لم نحمد الله عليها ولم نصنها رغم كل ما كان لنا من مثالب ومآخذ عليها واعتراضات، لهي خير ألف ألف مرة من هذا الحال المتردي، ولكن هيهات ثم هيهات فلات ساعة ندم، فقد فات الأوان، هذه تذكرة لكل الشباب في كل البلاد الآمنة والمستقرة، لكل من يضيق صدره تبرماً من حال أو مآل أو واقع لا يرضاه ليرى بعين الحقيقة ما جرى ويجري من حوله، وليحمد الله على نعمائه، وليعمل ويساهم في الحفاظ على تلك النعم في بلاده من الزوال، ولا يسلم روحه ولا عقله لوساوس الإنس أو الجان، فها هي بلادنا فرطنا بها حين سمعنا وساوس الشيطان، وهذه صور بسيطة من تردي حالنا التي وصلنا إليها والتي تذكرني بقول الشاعر الجواهري «رأوا في الرافدين ثرىً خصيباً.... يروقُ العين فانتشروا جرادا»..

مؤيد رشيد- أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا