منذ أزيد من أربعين عاماً والكاتب البحريني عبدالله خليفة ينوع بين مسارات الرواية والقصة القصيرة. في روايته الأخيرة “ذهب مع النفط” الصادرة عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت يقدم هذا الروائي عالماً زاخراً بالحركة والأحداث يلمس القارئ فيه أبعاداً متباينة، فالشخصية المحورية للرواية هي شخصية الدكتور سلمان، المحامي المثقف الذي يبيع مبادئه وتاريخه النضالي مقابل ولاءات وامتيازات من الشيخ شاهين. سلمان شخصية مرتبكة وملتبسة تنشد مطامح الشارع يصارع صحوة ضميره بعض المرات وقناعاته الفكرية إزائه التي كان يؤمن بها، لكنه على مستوى الواقع لا يتجاوز كونه أداة في يد شاهين وزمرته يحركونه كما يشاءون ويستغلون معارفه لتسويغ شرعيتهم. في نفسه يلعن شاهين ألف مرة وعلى مستوى الواقع يؤلف عنه الكتب ويدبج عنه المقالات في الوقت الذي يملأ الشوارع ورق العرائض الشعبية الثائرة والمنشورات المناوئة وهتافات الشباب الناقم ودخان الإطارات المحروقة.
هذا المنحى في حياته سلكه بعد خروجه من الزنزانة وفقدانه نتيجة للتعذيب لرجولته، فتتمرد زوجته فريدة وتخرج من البيت لتتزوج من عمران الأقل منه ثقافة والأدنى مكانة وإمكانات ليبقى بين البيت والمكتب والحانة، في البيت مقابل أمه المريضة بالسكري وابنه أحمد الذي تتنازعه تيارات فكرية وموجات نفسية مختلفة، من التشدد الديني تارة إلى الانعزال والكآبة والوحدة وملازمة غرفته تارات عديدة أخرى، فتؤثر سلوكياته هذه على حياته وعلى مجرى حياة سلمان، فيهرب الأخير من البيت الى المكتب فيدفن فيه نفسه بين أكوام الورق وكتب القانون، ومنه إلى الحانة حيث ينسى مع الكأس وثرثرة ندمائه ضجيج يومه وصخب المدينة في أذنيه وصراع الفكر والمبادئ في نفسه، وصحوة ملتبسة لضمير مسكون بكوابيس ذنب خيانة المبادئ.
وكما كان يؤمن هو بأن التاريخ يعيد نفسه يصدق التاريخ وتتكرر الصورة نفسها في ابنه، صورة منسوخة أخرى ومكررة بنفس الوجع، فالشاب الملتحي ذا الميول الدينية الذي يخرج مع جماعته المجاهدة هو من يثير الشغب يحرضه الشيخ كاظم الرأس الكبير المناوئ للشيخ شاهين.
أحداث رواية “ذهب مع النفط” تدور في زمن مختلف وغير محدد، لكن يتضح من الأحداث والمناخ الثقافي سياقها الزمني العام، كما أن الأماكن ملتبسة في أكثرها، ويشير إليها الكاتب بشكل رمزي من وقت لآخر من خلال مدينة الدخان، مع انه تند عنه في بعض الأوقات إشارات واضحة لمدن بعينها، فعبد الله خليفة في هذه الرواية يتوارى وراء مجموعة من الأقنعة ليقدم صوراً فيها الكثير من السوداوية والتشاؤم والحدة، يحمل من خلاله نقداً سياسياً لاذعاً، كما يوغل في الرمزية من خلال حركة الشخوص والأحداث في بنية السرد مجتهداً في تقديم تصور لغد ممكن.
















